يستعرض هذا المقال التطورات الاقتصادية والإنسانية المتزامنة في اليمن، مسلطاً الضوء على جهود البنك المركزي في عدن للحفاظ على استقرار العملة المحلية ومقاومة ضغوط البنوك وشركات الصرافة، مقابل تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بسبب وقف توزيع المساعدات.
أكد البنك المركزي اليمني في عدن تمسكه بسياساته النقدية الرامية إلى تحقيق الاستقرار، رافضاً ضغوطاً من بعض البنوك وشركات الصرافة لتغيير سعر صرف الريال مقابل الدولار. تأتي هذه الخطوة في إطار حماية المكاسب التي تحققت مؤخراً، والتي شهدت تحسناً نسبياً في قيمة العملة المحلية وانخفاضاً في المضاربات.
خلال لقاء جمعه بمسؤولي البنوك الإسلامية والتجارية وبنوك التمويل الأصغر، استعرض محافظ البنك المركزي، أحمد غالب، مستجدات أسواق العملات. وأشار إلى أن شح المعروض من العملة الوطنية وارتفاع الطلب عليها يعكسان تنامي الثقة في السياسات النقدية المتبعة. وأوضح المحافظ أن التحسن الملحوظ في العملة المحلية لم يكن وليد صدفة، بل هو نتاج سياسات احترازية مدروسة تراعي توازن السوق وتهدف إلى الحد من التقلبات السعرية التي تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسعار.
البنك المركزي اليمني يقاوم ضغوط السوق
ناقش الاجتماع، وفقاً لمصادر رسمية، الإجراءات التي تبناها البنك المركزي لمعالجة اختلالات سوق الصرف، والدور المنوط بالمؤسسات المصرفية في إنجاح هذه السياسات. يتضمن ذلك الالتزام بالتعليمات التنظيمية للعمل المصرفي وتعزيز الشفافية في عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية.
وشدد البنك المركزي على استمراره في تبني سياسات تتوافق مع آليات السوق الحرة، مع الحرص على الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين. الهدف الأساسي، بحسب البنك، هو الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لحماية الاقتصاد الوطني من الانهيار.
نفى المحافظ بشكل قاطع الشائعات المتداولة حول نية البنك خفض سعر الدولار بشكل مصطنع، مؤكداً أن أي قرارات نقدية لا تُتخذ إلا بناءً على معايير اقتصادية واضحة تخدم المصلحة العامة وتنسجم مع أهداف السياسة النقدية.
وتوصل المشاركون في الاجتماع، الذي عقد عقب تراجع سعر الدولار من حوالي 2500 ريال إلى قرابة 1550 ريالاً، إلى أهمية استمرار التنسيق بين البنك المركزي والمؤسسات المصرفية لحماية النظام المالي ومنع عودة المضاربات التي غذت تدهور قيمة العملة سابقاً.
تشديد الرقابة على السوق
في سياق جهوده لضبط السوق، فرض البنك المركزي إجراءات رقابية مشددة على عمليات الاستيراد وتمويل الواردات وتداول العملات الأجنبية. تهدف هذه الخطة إلى تنظيم الطلب على النقد الأجنبي ومنع الاستخدامات غير المشروعة التي تستنزف الاحتياطي النقدي.
خلال اجتماعاته مع جمعية الصرافين وشركات الصرافة الكبرى، أكد البنك على ضرورة الالتزام التام بالتعليمات المنظمة للعمل المالي، وتعزيز الانضباط في السوق المصرفية، والتصدي لأي ممارسات تهدد الاستقرار النقدي أو تخلق أسواقاً موازية خارج نطاق الرقابة.
يرى مراقبون أن هذه الإجراءات ساهمت بفعالية في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق، كما حدت من عمليات المضاربة التي أدت إلى الانهيار المتسارع لقيمة العملة خلال الأعوام الماضية.
على صعيد متصل، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي، تقارير حول مستوى تنفيذ آلية تنظيم الاستيراد في المنافذ البرية والبحرية، فضلاً عن مراجعة الإجراءات المرتبطة بتمويل السلع ذات الطبيعة الخاصة.
أقرت اللجنة عدداً من التوصيات بعد إجراء تعديلات عليها، وأحالت قضايا أخرى للفريق الاستشاري لدراستها بعمق، بهدف ضمان سلاسة الإجراءات التجارية وانسياب سلاسل الإمداد دون تعطيل. وأكدت اللجنة استمرار المتابعة الدورية للآلية لضمان التوازن بين الرقابة على الموارد العامة وتسهيل حركة التجارة، مع ضمان توفير السلع الأساسية للمواطنين بانتظام.
الأزمة الإنسانية تتفاقم في مناطق الحوثيين
في تناقض صارخ مع التطورات الاقتصادية في مناطق الحكومة، تتفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. فقد استمر تعليق أنشطة برنامج الأغذية العالمي بسبب اقتحام مكاتب الأمم المتحدة واعتقال عشرات الموظفين من المنظمات الدولية.
أوضح البرنامج أن جميع أنشطته في تلك المناطق لا تزال معلقة بسبب استمرار احتجاز 38 من موظفيه، بالإضافة إلى 35 موظفاً آخرين من وكالات أممية مختلفة. أدى ذلك إلى توقف توزيع المساعدات الغذائية الحيوية التي كانت تصل إلى ملايين المحتاجين.
وبينما بدأ البرنامج توزيع مساعدات غذائية طارئة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، شملت ست مناطق في محافظتي الحديدة وتعز مع خطط للتوسع التدريجي، لا يزال ملايين السكان في مناطق الحوثيين دون دعم غذائي منتظم.
بحسب التحديث الشهري للوضع الغذائي، اضطرت المنظمة إلى تقليص عدد المستفيدين بنسبة 50% بسبب خفض التمويل الدولي، مما يعني أن المساعدات ستصل إلى 1.7 مليون شخص فقط بدلاً من 3.4 مليون كانوا يعتمدون عليها سابقاً.
تتركز المساعدات الحالية على الفئات الأكثر هشاشة في 53 مديرية تعاني مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي. وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن برامجه التغذوية تعمل بمستويات منخفضة بسبب نقص التمويل والقيود المستمرة على العمل الإنساني.
رغم ذلك، تمكن البرنامج خلال الشهر الماضي من تقديم مساعدات تغذوية لحوالي 272 ألف طفل وامرأة حامل ومرضعة فقط. شملت التدخلات علاج حالات سوء التغذية الحاد المتوسط لنحو 55 ألف مستفيد، وبرامج وقائية استفاد منها 136 ألف شخص. يرى مختصون أن هذه الأرقام أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.
كما دعم البرنامج أكثر من 15 ألف شخص عبر برنامج تعزيز القدرة على الصمود وسبل العيش من خلال تحويلات نقدية مباشرة، بالإضافة إلى تقديم وجبات غذائية مدرسية لأكثر من 610 آلاف طفل في أكثر من ألف مدرسة.
يتزايد الضغط على البنك المركزي اليمني لمواصلة سياساته التي تدعم استقرار العملة، بينما تتطلع الأوساط الدولية إلى حلول جذرية للأزمة الإنسانية المتفاقمة في مناطق سيطرة الحوثيين. يبقى الوضع معلقاً على التطورات السياسية وجهود التوصل إلى سلام شامل، ومدى التزام جميع الأطراف بالمعايير الإنسانية والاقتصادية.
