تواجه سوريا تصعيداً أمنياً متزامناً من جبهتين؛ إذ تشهد مناطق شرق البلاد نشاطاً متزايداً لتنظيم “داعش”، بينما نفذت القوات الحكومية عملية ضد فصيل مسلح غرب البلاد. هذا التصعيد المزدوج يثير تساؤلات حول إمكانية اندلاع موجة عنف جديدة في سوريا.

أعلنت وزارة الداخلية السورية يوم الثلاثاء عن تنفيذ عملية أمنية استهدفت مقراً لما يُعرف بـ”سرايا الجواد” في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية. هذه العملية تأتي بالتزامن مع تحذيرات صادرة عن تنظيم “داعش” للمدنيين في شرق سوريا بالابتعاد عن المقرات العسكرية والأمنية، مما يشير إلى تحولات ميدانية مقلقة.

مواجهة «سرايا الجواد» وتصعيد «داعش»

أكد العميد عبد العزيز الأحمد، قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، أن العملية الأمنية في ريفي بيت علوني وبسنيا بريف جبلة أسفرت عن تحييد بشار عبد الله أبو رقية، متزعم “سرايا الجواد” في الساحل، بالإضافة إلى اثنين من قيادييه، واعتقال 6 عناصر آخرين. كما تم تفجير مستودع أسلحة تابع للميليشيا. وأسفرت الاشتباكات، بحسب الأحمد، عن مقتل أحد عناصر قوات المهام الخاصة وإصابة آخر بجروح طفيفة.

“سرايا الجواد” هو فصيل مسلح برز في أغسطس الماضي في ريف جبلة، وأعلن عن بدء عملياته ضد القوات الحكومية، مطالباً بخروجها من المنطقة. يُذكر أن هذا الفصيل يتبع سهيل الحسن، وهو شخصية عسكرية بارزة في النظام السوري.

يتزامن التحرك الأمني في مناطق الساحل مع تصعيد ملحوظ في هجمات تنظيم “داعش” شرق البلاد، مستهدفاً دوريات الأمن العام والقوات السورية. وقد انتشرت تسجيلات صوتية لقياديين في التنظيم تحذر المدنيين من الاقتراب من المقار الأمنية والعسكرية في جميع محافظات سوريا. جاء ذلك بعد أيام من إعلان المتحدث باسم “داعش” عن بدء مرحلة جديدة من العمليات ضد الدولة السورية، تزامنت مع موجة من الهجمات في محافظتي الرقة ودير الزور.

تحليل التطورات الأمنية في سوريا

يرى الباحث عباس شريفة أن هناك احتمالاً لوجود “تخادم” بين بقايا الفصائل المسلحة وتنظيم “داعش” في محاولة لزعزعة الاستقرار وإعادة تشكيل المشهد الأمني في سوريا. وأوضح شريفة في تصريح لـ”الشرق الأوسط” أن هذا التطور قد يهدف إلى تشتيت جهود المؤسسة الأمنية السورية وتوسيع نطاق عمل هذه الجماعات، مشيراً إلى أن هذا التناغم لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر.

وفيما يتعلق بأسباب تصعيد “داعش” لعملياته في هذا التوقيت، يرجع شريفة ذلك إلى شعور التنظيم بـ”خطر وجودي” بعد سقوط النظام السابق وانتهاء الذرائع التي كان يعتمد عليها في التجنيد. كما أن استهداف التنظيم للرئيس أحمد الشرع، الذي يعتبره “العدو رقم واحد” لأنه يضرب مشروعيته، يأتي في سياق محاولة إعادة التموضع. وأشار شريفة إلى أن تركيز كلمة المتحدث باسم التنظيم على “الشرعية” واعتبار “هيئة تحرير الشام” علمانية هو تمهيد لشن عمليات ضدها.

حدّد شريفة ثلاثة أسباب رئيسية لتصعيد “داعش” لعملياته: أولاً، انضمام سوريا إلى “التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب” يمثل تهديداً للتنظيم. ثانياً، النجاحات التي حققتها الدولة السورية في تحييد عناصر “داعش” في دمشق وحلب وحمص أثرت سلباً على قدرة التنظيم، مما دفعه للسعي لإثبات وجوده. ثالثاً، يسعى التنظيم من خلال إصداراته الإعلامية إلى إعادة حشد صفوفه وتقييم قدرته على التحرك وشن الهجمات.

أضاف شريفة سبباً مهماً آخر، وهو تفكيك “مخيم الهول”، الذي حرم التنظيم من تجنيد الأطفال، فضلاً عن مساهمة سوريا في نقل سجناء التنظيم إلى العراق، ما أفقد “داعش” ورقة كانت يخطط لاستخدامها لتحرير عناصره عبر ضرب السجون.

مستقبل «داعش» في سوريا

يعتبر الباحث المختص في الجماعات الإسلامية، عرابي عرابي، تنظيم “داعش” في مراحله الأخيرة. وأوضح لـ”الشرق الأوسط” أن التنظيم واجه صعوبات في إعادة هيكلة قياداته بشكل متماسك خلال العام الماضي بسبب تفكيكه المتكرر.

ويضيف عرابي أن “داعش” يستخدم إعلامه حالياً للتحريض ضد الدولة السورية، مشيراً إلى أن العمليات التي ينفذها هي عمليات “تكتيكية” متفرقة يقوم بها أفراد أو خلايا صغيرة ضد دوريات الأمن والجيش. وهذه الاستراتيجية، بحسب عرابي، تهدف إلى “التكيّف” وترتكز على التصعيد الإعلامي والاستقطاب عبر التجنيد.

وفيما يتعلق بقدرة التنظيم على إثارة موجة عنف جديدة، يرى عرابي أنه “يستطيع تنفيذ عمليات واختراقات من خلال خلايا صغيرة، وعمليات متقدمة عنيفة جداً”، لكنه لم يتمكن من ذلك في سوريا منذ عام بسبب افتقاره إلى بنية قيادية متماسكة.

وأكد عرابي على أن التنظيم يعمل على استهداف الدولة “إعلامياً”، مستغلاً حملات دعائية سابقة تكفر الدولة وتتهمها بـ”العمالة للغرب وإهمال حقوق المسلمين”. وتهدف هذه الحملات إلى استقطاب دعم أوسع، لكن عرابي شدد على أن “داعش” لا يمكنه استهداف الدولة على الأرض إلا إذا تلقى دعماً أو إمداداً من جهات خارجية تسعى للاستثمار في العنف.

يبقى الوضع الأمني في سوريا متقلباً، ويتطلب مراقبة تطورات هذه العمليات المزدوجة. سيكون من المهم رصد ردود الفعل الحكومية وتأثير هذه التحركات على استقرار المناطق المتأثرة، فضلاً عن استمرار جهود مكافحة الإرهاب.

شاركها.