خيارات أميركية غامضة وتوترات متصاعدة مع إيران

في ظل تهديدات متزايدة من الرئيس دونالد ترامب بمواجهة إيران، تبرز تساؤلات حول الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في حال اندلاع نزاع، سواء كان قصير الأمد أو طويل الأمد. وقد عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بإرسال سفن حربية وطائرات مقاتلة، مما يفتح الباب أمام خيارات متعددة قد تزعزع استقرار الشرق الأوسط.

تتضمن هذه الخيارات ضربات جراحية تستهدف “الحرس الثوري” الإيراني، أو محاولات للقضاء على برنامج الصواريخ الباليستية، أو حتى السعي لفرض تغيير النظام في طهران. في المقابل، هددت إيران برد انتقامي شديد إذا تعرضت لأي هجوم.

محادثات دبلوماسية على وقع الحشد العسكري

في تطور متزامن، أفاد مسؤول أميركي كبير بأن مبعوث البيت الأبيض، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر، سيلتقيان بوفد إيراني في جنيف يوم الخميس. يأتي هذا اللقاء الدبلوماسي بينما وصلت حاملة الطائرات الأميركية “يو إس إس جيرالد فورد”، الأكبر في الأسطول البحري الأميركي، إلى جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط. ونقلت مصادر عسكرية أن الحاملة سترسو للتزود بالإمدادات من قاعدة أميركية في خليج سودا، فيما يمكنها الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط خلال يوم واحد.

بالإضافة إلى ذلك، رصدت وسائل إعلام إسرائيلية طائرات نقل وتزويد بالوقود عسكرية أميركية في مطار بن غوريون الدولي بالقرب من تل أبيب، مما يشير إلى زيادة النشاط العسكري الأميركي في المنطقة.

ترسانة الخيارات العسكرية الأميركية

أعلن الرئيس ترامب في وقت سابق أنه سيحدد خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً ما إذا كان سيأمر بشن ضربات على إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي. ووفقاً لموقع “أكسيوس” الإخباري، عُرضت على الرئيس مجموعة من الخيارات العسكرية، بما في ذلك شن هجوم مباشر على المرشد الأعلى علي خامنئي.

أكد ترامب مراراً تفضيله المسار الدبلوماسي، ساعياً لاتفاق يعالج البرنامج النووي الإيراني، وقدراتها الصاروخية، ودعمها لجماعات مسلحة. إلا أن إيران رفضت تقديم مثل هذه التنازلات.

عُقدت جولتان من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان وسويسرا دون تقريب وجهات النظر، على أن تستأنف المحادثات يوم الخميس في سويسرا. وقد أعرب مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، عن “اندهاشه” لعدم “استسلام” إيران رغم الحشد العسكري الأميركي الكبير.

من جانبهم، يرى محللون أن إدارة ترامب “ترجح على الأرجح نزاعاً محدوداً يعيد تشكيل ميزان القوى دون الوقوع في مستنقع”. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تتوقع إيران “حملة عسكرية قصيرة وعالية التأثير تشل بنيتها الصاروخية، وتقوض قدرتها الردعية، وتعيد ضبط ميزان القوى”.

مبررات أميركية متغيرة ودعوات للمصالحة

أصر ترامب في السابق على أن القوات الأميركية قد دمرت البرنامج النووي الإيراني في هجمات استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم. ومع ذلك، تغيرت الديناميكيات مع اندلاع الاحتجاجات داخل إيران، والتي قمعتها قوات الأمن بعنف. هدد ترامب مراراً بـ”مساعدة” الشعب الإيراني، لكنه لم يتخذ إجراءات فعلية.

يتباهى ترامب بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، مستشهداً بوقف إطلاق النار في غزة. ويعتقد أن تغيير النظام في إيران سيعزز مسار السلام في المنطقة. لكن المعارضين الديمقراطيين يخشون أن تقود سياساته الولايات المتحدة إلى “فوضى عنيفة”، ويطالبونه بالتشاور مع الكونغرس، الجهة المخولة إعلان الحرب.

القوة النارية الأميركية في المنطقة

تنتشر حالياً ثلاث عشرة سفينة حربية أميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”، وتسع مدمرات، وثلاث فرقاطات. وهناك سفن إضافية في الطريق، مثل حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” التي عبرت مضيق جبل طارق لدخول البحر الأبيض المتوسط.

إلى جانب الطائرات المتمركزة على حاملات الطائرات، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الطائرات الحربية إلى المنطقة، كما ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في أنحاء الشرق الأوسط، مما يجعلهم أهدافاً محتملة لأي هجوم إيراني.

تساؤلات حول الغاية النهائية

أوضح ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، أن تأثير أي نزاع مع إيران، مهما كان حجمه أو مدته، على الحكومة الإيرانية يبقى غير واضح. فقد يعزز النزاع النظام بقدر ما يضعفه، ومن المستحيل معرفة البديل في حال سقوط النظام.

أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن قلقه، مشيراً إلى عدم معرفة ما سيحدث إذا سقط المرشد الأعلى، معرباً عن الأمل في وجود بدائل داخل النظام يمكن العمل معها لانتقال سلمي. وحذرت دول المنطقة، التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، الولايات المتحدة من التدخل، خشية أن تصبح هدفاً لهجمات انتقامية، ولمنع أي زعزعة للاستقرار في المنطقة.

تشير الخبيرة مونا يعقوبيان إلى أن إيران أكثر تعقيداً من فنزويلا، وأن “ضربة لقطع رأس” النظام قد تؤدي إلى “إطلاق فوضى حقيقية داخل إيران”، نظراً لتشتت مراكز القوى لديها.

في ظل التوترات المتصاعدة، تترقب الأنظار ما ستسفر عنه المحادثات الدبلوماسية المقبلة، وما إذا كانت ستسهم في نزع فتيل الأزمة، أم أن حسابات القوة ستؤدي إلى مواجهة عسكرية محتملة. يبقى الهدف النهائي للولايات المتحدة من وراء هذا الحشد العسكري والضغوط غير واضح المعالم، مما يزيد من حالة عدم اليقين في المنطقة.

شاركها.