في خضم سباق الأعمال الكوميدية الاجتماعية التي تزين شاشات شهر رمضان، يبرز المسلسل السعودي “يوميات رجل متزوج” كعمل فني يعتمد على واقعية تفاصيل الحياة اليومية والأسرية، متجاوزاً الأحداث الكبرى ليصنع بصمته الخاصة. يأتي هذا المسلسل في موسمه الثاني، بعد النجاح الجماهيري الذي حققه الموسم الأول “يوميات رجل عانس” العام الماضي. يتتبع العمل رحلة الزواج المضطربة للشاب عبد الله، الذي يقوم بدوره الفنان إبراهيم الحجاج، بعد أن اختتم الموسم الأول بزواجه من زميلته أروى، لتنطلق أحداث الموسم الجديد مستكشفةً حياة الزوجية.

تشارك الفنانة فاطمة الشريف في المسلسل بدور “لطيفة”، والدة عبد الله، الأم الحنونة والمفرطة في تعلقها بابنها. في هذا الموسم، تشهد شخصية لطيفة تحولاً أعمق، حيث تبتعد عن مجرد تقديم المواقف الكوميدية الخفيفة لتغوص في مساحات أوسع من المشاعر الإنسانية المتنوعة. تتحدث الشريف لـ”الشرق الأوسط” عن هذا التحول، وعن الديناميكيات المتغيرة في العلاقة بين الأم وابنها بعد دخوله القفص الذهبي، مؤكدةً أن الأسرة، كمشروع حياة، تتطلب قبل كل شيء الصبر والتفهم المتبادل.

تحولات شخصية “لطيفة” في “يوميات رجل متزوج”

ترى فاطمة الشريف أن تجربة الموسم الثاني من “يوميات رجل متزوج” تحمل في طياتها عمقاً أكبر. فبينما اقتصر دورها في الموسم الأول على متابعة رحلة عبد الله للبحث عن عروس، فإن دورها في الموسم الحالي تكشف عن جوانب متعددة لشخصية “لطيفة”، فهي تظهر ضاحكة، منزعجة، باكية، ومفاجئة للمشاهد بحالات درامية وتراجيدية تتخلل الكوميديا. الشخصية التي بدت ثابتة في الموسم الأول، أصبحت الآن تواجه مرحلة أكثر تعقيداً، تختبر فيها مشاعر الأم وقلقها من فقدان مكانتها المحورية في حياة ابنها المدلل بعد زواجه، مما يولد صراعات مرتقبة.

وتحتل شخصية لطيفة حالياً مكانة متقدمة ضمن الأعمال الأعلى مشاهدة على منصة “شاهد” في المملكة العربية السعودية، مما يعكس تفاعل الجمهور مع هذه التحولات.

الأم والابن: علاقة في طور التغيير

توضح فاطمة الشريف أن هذا التحول يتماشى مع جوهر شخصية “لطيفة”، فهي أم شديدة التعلق بابنها، والذي كان بمثابة محور حياتها الأساسي. لقد اعتادت أن تتعامل معه وكأنه طفل، حتى بعد أن أصبح موظفاً، فكانت تحضر له فطوره وتهتم بأدق تفاصيل يومه. يأتي الزواج ليغير هذا الإيقاع بالكامل، ويبدأ الاحتكاك الحقيقي بين الأم والزوجة. هنا تبرز مشاعر القلق، الغيرة، والخوف من فقدان الدور القديم. تؤمن الشريف أن هذه التفاصيل الصغيرة هي ما تصنع دراما قريبة من الناس، لأن الكثيرين يعيشون مواقف مشابهة داخل أسرهم.

تؤكد الشريف أن “لطيفة” ليست شخصية شريرة أو متآمرة، بل هي شخصية مباشرة في التعبير عن مشاعرها. فإذا انزعجت، يظهر ذلك فوراً على وجهها، وتعبر عنه مباشرة دون مواربة. وترى أن هذا ما يجعل الشخصية قريبة من الجمهور، حيث يجدون فيها نماذج حقيقية من حياتهم اليومية. وعلى المستوى الشخصي، تشير إلى أن “لطيفة” ليست محض خيال، بل مستوحاة من امرأة عرفتها في حياتها، حيث استحضرت منها طريقة الكلام، نبرة الصوت، وأسلوب التعبير، مما جعل الكثير من تفاصيل الأداء تلقائية وقريبة من الذاكرة.

الموسم الثاني: من المفاجأة إلى ترسيخ الواقعية

عاد الموسم الثاني من “يوميات رجل متزوج” ليركز على اليوميات وعلاقات الأسرة المتشعبة، بعد أن كان الرهان في الموسم الأول على عنصر المفاجأة والفضول لدى الجمهور لمعرفة مصير عبد الله ووالدته، ومن ستكون عروسه.

اليوم، وبعد أن تعرف الجمهور على العائلة وشخصياتها، ينتقل التركيز إلى تفاصيل الحياة اليومية لعبد الله مع زوجته وأسرته، وكيف تتشكل العلاقات داخل هذا الإطار. تراهن فاطمة الشريف على قوة الموضوعات نفسها والحكايات الصغيرة التي تبني الحلقات، لا على الحبكات المفاجئة أو الصدمات الدرامية الكبيرة. وتضيف أن التحضير للموسم الثاني كان أصعب بكثير من الأول، بسبب الضغط للحفاظ على توقعات الجمهور وشغفهم بالعمل.

حلقة خاصة عن “لطيفة” في سن المراهقة

تكشف فاطمة الشريف عن إحدى الخطوط اللافتة في الموسم، وهي حلقة ينتظرها الجمهور بشغف، حيث تمر “لطيفة” بتجربة تعيدها إلى حالة مراهقة عاطفية. سيشهد الجمهور كيف تتحول هذه الشخصية القوية والحادة في كلامها إلى شخصية أكثر رومانسية وبساطة، وكأنها تعيش مشاعرها الأولى من جديد. وتصف الشريف هذا التحول بأنه كان سلاحاً ذا حدين: إما أن يتقبله الجمهور بحب كبير، أو يراه غريباً على الشخصية. وقد اعتمد الأداء في هذه الحلقة بشكل كبير على الارتجال، والبحث عن نبرة صوت جديدة وحركة جسد مختلفة، أكثر مما اعتمد على النص المكتوب.

مفهوم الزواج في ظل الماديات المعاصرة

ترى فاطمة الشريف أن قوة المسلسل تكمن في كونه مرآة للحياة اليومية والعادية، وليس في كونه خطاباً وعظياً أو طرحاً مثالياً. فهو يقدم شخصيات عادية، بقدرات متوسطة، وظروف تشبه ظروف أغلب الناس، ويحاول أن يقول إن الحياة الزوجية تُبنى خطوة بخطوة، وسط تفاهمات صغيرة وتنازلات متبادلة.

وعند سؤالها حول ما إذا كان “يوميات رجل متزوج” يشجع الشباب على الزواج أو يخيفهم منه، تؤكد الشريف أن الهدف هو تشجيع الناس على التجربة، وهم أكثر وعياً بطبيعتها.

في زمن تلعب فيه وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في رفع سقف التوقعات، يقدم المسلسل فكرة مختلفة: النظر إلى جوهر الإنسان قبل المظاهر، والتركيز على التفاهم قبل الماديات. وتشير إلى أن الشروط الكثيرة التي تفرض اليوم بين الطرفين قد تجعل الطريق أصعب مما يجب، في حين أن التجربة التي يقدمها العمل تقول إن الحياة يمكن أن تُبنى بإمكانات بسيطة إذا وُجد القبول والتفاهم.

لهذا المعنى، يتحول “يوميات رجل متزوج” إلى مساحة لمراجعة الأفكار الشائعة حول الزواج والأسرة، من خلال شخصيات مألوفة ومواقف يمكن لأي مشاهد أن يرى فيها شيئاً من حياته أو حياة من حوله. وتبقى “لطيفة” واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للنقاش، لأنها تمثل الخط الرفيع بين الحب والخوف، بين الرغبة في الاحتفاظ بالابن كما كان، والحاجة إلى تقبل حياته الجديدة كما هي.

يجدر بالذكر أن المسلسل يأتي في قالب كوميدي اجتماعي، من إخراج عبد الرحمن السلمان، وتأليف نواف المهنا، وبطولة إبراهيم الحجاج، وفاطمة الشريف، وسعيد صالح، وإيدا القصي، وفيصل الدوخي، وعدد كبير من النجوم، ويُعرض يومياً على قناة “MBC” بعد الإفطار.

شاركها.