المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية
في قرار تاريخي أعاد تشكيل موازين القوى في الولايات المتحدة، قضت المحكمة العليا بإلغاء حزمة الرسوم الجمركية الأكبر التي فرضها الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته، مؤكدةً أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة المخولة بسلطة فرض الضرائب والرسوم. هذا الحكم، الذي اعتبر انتصاراً للشركات المستوردة، يثير تساؤلات حيوية حول كيفية استعادة 133 مليار دولار جُمعت بشكل غير دستوري، وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع تداعيات هذا القرار على أدواته التجارية.
يُعد هذا القرار ضربة قاصمة لأجندة ترمب الاقتصادية، حيث استند في فرضه لتلك الرسوم إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، الذي اعتبرت المحكمة أن صلاحياته لا تشمل منح الرئيس سلطة فرض رسوم استيراد بشكل منفرد.
حيثيات الحكم وانقسام المحكمة: استعادة سلطة الكونغرس
صدر قرار المحكمة بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس واثنان من مرشحي ترمب السابقين إلى القضاة الليبراليين في رفض استخدام قانون IEEPA لفرض ضرائب استيراد. وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن القانون لا يمنح الرئيس سلطة “مطلقة” أو “غير محدودة” لفرض الرسوم، مؤكدةً أن الدستور الأميركي يمنح الكونغرس وحده صلاحية فرض الضرائب والرسوم.
المدافع الوحيد عن سلطة ترمب: القاضي كافانو
في موقف معارض، برز القاضي بريت كافانو، أحد القضاة الثلاثة الذين عينهم ترمب، والذي كتب رأياً مخالفاً قوياً. رأى كافانو أن الدستور والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. وحذر من “العواقب الكارثية” المحتملة للقرار، مشيراً إلى أن الحكومة أصبحت في مأزق مالي.

ترمب يمتثل غاضباً: البحث عن بدائل قانونية
وبينما وصف ترمب القضاة بـ”العار” واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، فقد امتثل للقرار بتوقيع أمر تنفيذي لإلغاء الرسوم. ومع ذلك، لم يتخل عن سياسته التجارية، مؤكداً أن لديه “بدائل عديدة وعظيمة” لمواصلة سياسة الحماية التجارية. بدأ البيت الأبيض في تفعيل ترسانة قانونية بديلة، بما في ذلك استخدام المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض رسوم مؤقتة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، والمادة 301 لبدء تحقيقات في الممارسات التجارية غير العادلة، والمادة 338 من قانون 1930 لفرض رسوم عقابية.
معضلة الـ133 مليار دولار: تحدي الاستعادة
في غضون ذلك، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصلة بشكل غير قانوني. تطالب شركات كبرى مثل “كوسكو” و”ريفلون” باستعادة أموالها. ويتوقع خبراء قانونيون أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية، عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. ومع ذلك، فإن المستهلكين الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار قد لا يرون أي تعويضات، حيث ستذهب الأموال في الغالب إلى الشركات المستوردة.

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية: ضغوط متزايدة
على الصعيد الدولي، حذر القاضي كافانو من أن الحكم قد يزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات. داخلياً، استغل الديمقراطيون الأزمة لتصعيد الضغط السياسي. قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ”إعادة الأموال المنهوبة” للعائلات، مطالبين ترمب برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حكام آخرون، معتبرين أن الرسوم كانت “ضريبة خلفية” غير قانونية أثقلت كاهل المواطنين. تزيد هذه التحركات السياسية من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة.

ختاماً، لم ينهِ هذا الحكم المعركة التجارية، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً. بينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يظل الاقتصاد الأميركي في حالة من عدم اليقين بين المطالبات القانونية برد المبالغ ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ستبقى النزاعات المتوقعة في المحاكم الدنيا ومكاتب الجمارك، بالإضافة إلى التحركات التشريعية المستقبلية، محط أنظار المستثمرين. السؤال الأهم الذي سيحدد مسار السياسة التجارية الأميركية مستقبلاً هو ما إذا كان ترمب سينجح في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل انتهاء صلاحية أدواته المؤقتة.
