لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»
كشفت دراسة نفسية حديثة عن عامل مفاجئ يفسر لماذا يستطيع بعض الأفراد التعافي من الصدمات والأحداث القاسية بشكل أسرع من غيرهم. لا تتعلق القدرة على الصمود فقط بحجم التجربة، بل بالأهم من ذلك، بالمعتقدات الأساسية التي يحملها الشخص عن العالم مسبقاً. وتشير النتائج إلى أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد، قد يرتبط بانخفاض ملحوظ في مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة تحديات الحياة مثل المرض أو العنف أو الخسارة. هذه المعتقدات الجوهرية تلعب دوراً حاسماً في تعزيز الصمود النفسي.
لطالما ناقش علماء النفس أسباب هذه الفروق الفردية في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات الرئيسية المطروحة، برز مفهوم “المعتقدات الأساسية عن العالم” كعامل مؤثر. تشير هذه المعتقدات إلى التوقعات العميقة والراسخة حول طبيعة الكون، بما في ذلك ما إذا كان العالم آمناً أم خطيراً، جميلاً أم قبيحاً، بالإضافة إلى تصورات أخرى واسعة النطاق.
في السابق، كان السائد هو افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ كنتيجة حتمية لتجارب الحياة القاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية تعود إلى ثمانينات القرن الماضي اقترحت أن الصدمات تدمر المعتقدات الإيجابية عن العالم، مما يؤدي بدوره إلى زيادة مستويات القلق والاكتئاب.
ومع ذلك، تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، إلى احتمال مختلف ومثير للاهتمام: قد لا تكون الأحداث القاسية هي التي تشكل معتقداتنا الأساسية بشكل مباشر، بل إن المعتقدات التي نتبناها مسبقاً هي التي تؤثر بشكل كبير على طريقة استجابتنا لهذه الأحداث.
في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل بمثابة مرشحات نفسية تشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطيراً يميلون إلى المبالغة في تقدير احتمالية وقوع تهديدات كبرى، مقارنة بمن يرون العالم مكاناً آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن الأفراد الذين ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى لو لفترة وجيزة، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.
تأثير المعتقدات الجوهرية على الصمود في مواجهة الشدائد
بهدف اختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة هي التي تشكل الاستجابة للأحداث الصعبة، أم أن الأحداث الصعبة هي التي تغير هذه المعتقدات، أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين تماماً من الشدائد.
في الدراسة الأولى، شارك 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة، بما في ذلك مرضى السرطان، والناجون منه، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي. وتمت مقارنتهم بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب التي يعانون منها، بالإضافة إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.
أما الدراسة الثانية، فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع حادث إطلاق نار مأساوي داخل الحرم الجامعي في نوفمبر 2022. أسفر الحادث عن مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، مما أدى إلى تعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.
المعتقدات الأساسية مستقرة نسبياً، لكنها تنبئ بالضيق النفسي
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراستان هي أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار المروعة. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأشخاص الأصحاء. وفي السياق الصحي، أظهر الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى أولئك الذين دخلوا مرحلة التعافي. تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً بشكل أساسي على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.
على النقيض من ذلك، وفي كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق النفسي الذي شعروا به. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم “جيد” أو “سيئ”، بل كان التأثير أكثر تحديداً.
برزت ثلاثة معتقدات محددة في الدراسة الأولى بشكل خاص:
– أن العالم قابل للتحسين: أي القدرة على تغييره أو إصلاحه من خلال جهود الإنسان.
– أن العالم عادل: الاعتقاد بأن الجزاء من جنس العمل، وأن العدالة تسود في نهاية المطاف.
– أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء: بدلاً من التدهور والانحلال.
الأشخاص الذين تبنوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنة بمن لديهم معتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى. بل إن بعض هؤلاء الأفراد لم يبدوا أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بتجربة مرض أصلاً.
وفي سياق دراسة الحرم الجامعي، ورغم عدم توافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، إلا أن الاعتقاد بأن العالم آمن برز كعامل حاسم. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيراً يُذكر في مستويات الضيق لديهم. في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر هذه النتائج، لكن تبين لاحقاً أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً وتخصصاً من مجرد نظرة متفائلة عامة.
فهم آلية عمل المعتقدات الوقائية
اقترحت الدراسة تفسيراً لآلية عمل هذه المعتقدات الوقائية، وذلك من خلال ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:
– إمكانية الإصلاح: أن يقوم الشخص نفسه أو الآخرون بإصلاح الوضع، وهو تصور أسهل وأكثر قابلية للتطبيق إذا كان العالم يُنظر إليه على أنه قابل للتحسين.
– التدخل العادل: أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية لتصحيح الأوضاع، وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً.
– التعافي الطبيعي: أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت، وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد والشفاء.
إمكانية تغيير المعتقدات وتعزيز الصمود
على الرغم من أن المعتقدات الأساسية غالباً ما تكون ثابتة ولا تتغير كثيراً في ظروف الحياة اليومية، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. يفتح هذا الباب أمام احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات الوقائية قد تعزز بشكل فعال الصمود النفسي للفرد. ومع ذلك، فإن هذه الفرضية تتطلب مزيداً من البحث والدراسة لتأكيدها.
في الختام، فإن مواجهة المرض، والخوف، والخسارة، والصدمات المفاجئة هي جوانب لا مفر منها من الحياة. وتشير نتائج هذه الدراسات إلى طريقة جديدة ومبتكرة للاستعداد لهذه التحديات: تطوير نظرة للعالم على أنه مكان قابل للتحسين، ومكان تسوده العدالة، ومكان يميل بطبيعته نحو التجدد والتعافي.
