إندونيسيا والولايات المتحدة تُبرمان اتفاقية هامة لتخفيض الرسوم الجمركية إلى 19%
أعلنت الحكومتان الإندونيسية والأميركية عن توصلهما إلى اتفاقية تجارية ثنائية تهدف إلى تخفيض الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على البضائع الإندونيسية من 32% حاليًا إلى 19%. جاء هذا الإنجاز بعد أشهر من المفاوضات المكثفة، حيث نجحت إندونيسيا في الحصول على إعفاءات جمركية مهمة لسلع استراتيجية، أبرزها زيت النخيل، الذي يعد من أهم صادراتها. تفاصيل هذه الاتفاقية الجديدة، التي وُصفت بالمكسب للجانبين، تحمل في طياتها آفاقاً اقتصادية واعدة لكلا البلدين، وتعكس مرحلة جديدة في العلاقات التجارية بينهما.
جرى توقيع الاتفاقية في العاصمة واشنطن بين وزير الاقتصاد الإندونيسي إيرلانغا هارتارتو والممثل التجاري الأميركي جاميسون جرير. وفي مؤتمر صحفي افتراضي، وصف هارتارتو الاتفاقية بأنها “مكسب للطرفين”، مؤكداً على أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.
تفاصيل الاتفاقية التجارية بين إندونيسيا والولايات المتحدة
يُعد زيت النخيل، الذي يمثل حوالي 9% من إجمالي صادرات إندونيسيا، من أبرز السلع التي شملتها الإعفاءات الجمركية. كما تم توسيع نطاق الإعفاءات لتشمل سلعاً إندونيسية أخرى ذات قيمة تصديرية عالية، مثل البن، والكاكاو، والمطاط، والتوابل. وتأتي هذه الاتفاقية في وقت تشهد فيه التجارة العالمية بعض التحديات، حيث يمثل معدل الرسوم الجديد (19%) مستوى تنافسياً مقارنة بالاتفاقيات الأميركية مع دول منافسة لإندونيسيا في جنوب شرق آسيا، مثل ماليزيا وكمبوديا وتايلاند والفلبين.
وتجدر الإشارة إلى أن ماليزيا، وهي أحد أكبر مصدري زيت النخيل على مستوى العالم، تتمتع بالفعل بإعفاءات جمركية على هذا المنتج، بالإضافة إلى الكاكاو والمطاط، مما يضع الاتفاقية الجديدة في سياق تنافسي إقليمي ودولي.
ويرى محللون اقتصاديون، مثل يوسي ريزال داموري، المدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في إندونيسيا، أن هذه الاتفاقية يمكن أن تساهم في تحسين ثقة المستثمرين. وأوضح داموري أن “إذا استطاعت إندونيسيا إضفاء الطابع متعدد الأطراف على بعض التزاماتها تجاه الولايات المتحدة واستخدامها أساساً لتخفيف القيود التنظيمية، فسيعزز ذلك ثقة المستهلكين في البلاد، وهو أمر ينبغي استغلاله وتطويره على النحو الأمثل”.
إندونيسيا تتبنى معايير المنتجات الأميركية وتتعهد بفتح أسواقها
بموجب الشروط الجديدة، ستخضع المنتجات النسيجية الإندونيسية لرسوم جمركية بنسبة صفر في المائة، ضمن آلية حصص لا تزال قيد النقاش. وسيتم تحديد هذه الحصص بناءً على كمية المواد الأولية ذات المنشأ الأميركي المستخدمة في صناعة النسيج، مثل القطن والألياف الصناعية. وقدم الوزير هارتارتو توضيحاً هاماً بأن الولايات المتحدة قد تراجعت عن طلبات كانت قد تقدمت بها سابقاً لإدراج بنود غير اقتصادية في الاتفاقية، مثل تلك المتعلقة بتطوير المفاعلات النووية وقضايا بحر الصين الجنوبي، مما يركز الاتفاق على الجوانب التجارية والتبادل السلعي.
في المقابل، تلتزم إندونيسيا بإزالة الحواجز الجمركية على معظم المنتجات الأميركية عبر جميع القطاعات. بالإضافة إلى ذلك، ستعمل جاكرتا على معالجة مجموعة من القيود غير الجمركية، بما في ذلك متطلبات المحتوى المحلي التي كانت قد تشكل عائقاً أمام الصادرات الأميركية، وذلك وفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض. ومن الجوانب البارزة الأخرى للاتفاقية، هو اعتماد إندونيسيا لمعايير أميركية محددة تتعلق بسلامة المركبات، والانبعاثات، والأجهزة الطبية، والمستحضرات الصيدلانية، مما يسهل دخول المنتجات الأميركية إلى السوق الإندونيسي.
دعم المصالح الأميركية في المعادن الحيوية وتعزيز سلاسل الإمداد
تعكس الاتفاقية اهتماماً مشتركاً بمعالجة المخاوف الأميركية المتعلقة بالاعتماد المفرط على الصين في مجال المعادن الحيوية، وتشجيع نقل جزء من العمليات الصناعية التي كانت تتم في الصين إلى إندونيسيا. ويهدف هذا التوجه إلى تنويع سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز الأمن الاقتصادي لكلا البلدين.
تتضمن الالتزامات الإندونيسية فرض قيود على الإنتاج الزائد في منشآت معالجة المعادن الأجنبية، بما يتوافق مع الحصص الوطنية للتعدين. وتشمل هذه المعادن الاستراتيجية النيكل، والكوبالت، والبوكسيت، والنحاس، والمنغنيز، وهي معادن ذات أهمية متزايدة في صناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة.
كما اتفقت جاكرتا على اتخاذ إجراءات استباقية ضد الشركات الأجنبية التي قد تلحق الضرر بمصالح التجارة الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، ستعمل إندونيسيا على تسهيل الاستثمارات الأميركية في قطاع المعادن الحيوية وموارد الطاقة، وتعزيز التعاون مع الشركات الأميركية لتسريع تطوير قطاع العناصر الأرضية النادرة، الذي يعد عنصراً حاسماً في الصناعات التكنولوجية الحديثة.
أكد الوزير هارتارتو أن الاتفاقية ستدخل حيز التنفيذ بعد 90 يوماً من استكمال الإجراءات القانونية اللازمة في كلا البلدين، مع إمكانية إجراء تعديلات أو تحديثات مستقبلية بموافقة الطرفين. وقد قام الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو بزيارة إلى واشنطن لهذا الغرض، حيث شهد توقيع وثيقة بعنوان “تنفيذ الاتفاقية نحو عصر ذهبي جديد للتحالف الأميركي الإندونيسي”، والتي تهدف إلى تعزيز الأمن الاقتصادي والنمو لكلا البلدين. وفي سياق متصل، كانت شركات إندونيسية وأميركية قد وقعت اتفاقيات تجارية منفصلة بقيمة 38.4 مليار دولار في وقت سابق من نفس الأسبوع، مما يعكس الزخم الإيجابي للعلاقات الاقتصادية.
