يشهد عالم الصحة اتجاهاً جديداً مثيراً للاهتمام، حيث يلجأ الكثيرون، بمن فيهم من لا يعانون من مرض السكري، إلى استخدام أجهزة مراقبة الغلوكوز في الدم بشكل مستمر. يعود هذا الاهتمام المتزايد إلى الرغبة في فهم أعمق لتأثير أنماط الحياة، من الغذاء إلى النشاط البدني، على مستويات السكر، وخاصة في ظل انتشار حالات “مقدمات السكري” الخفية التي تزيد من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
هذه الأجهزة، المتوفرة الآن بأسعار معقولة وبدون وصفة طبية، تمنح الأفراد القدرة على تتبع تقلبات مستويات السكر لديهم طوال اليوم. وقد لوحظ أن هذا الوعي بمستويات الغلوكوز يساعد الجميع تقريباً على تأمين تدفق طاقة مستمر، وتجنب الشعور بالإرهاق، والحد من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وتقليل تقلبات المزاج، مما يدعم تحسين الصحة العامة.
مقدمات السكري: العدو الخفي بلا أعراض
تُعد “مقدمات السكري” حالة طبية خطيرة، تتسم بارتفاع مستويات السكر في الدم أعلى من المعدل الطبيعي، ولكنها لا تصل إلى المستوى الذي يسمح بتشخيص الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. اللافت في هذه الحالة هو صمتها، حيث لا تظهر عادةً أي أعراض تحذيرية واضحة، مما يجعل من الصعب اكتشافها مبكراً.
تؤثر مقدمات السكري على نسبة كبيرة من البالغين، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة يعانون منها، ونحو نصف من تجاوزوا سن الـ 65. ورغم أن السمنة تعتبر عاملاً مساهماً كبيراً، إلا أن العديد من المصابين بهذه الحالة قد يتمتعون بصحة ظاهرة جيدة. ومع ذلك، فإن عوامل مثل الإجهاد المزمن، وقلة الحركة، وسوء النوم، تلعب دوراً حاسماً في عدم قدرة الجسم على معالجة السكر في الدم بكفاءة.
وتعتبر فترة انقطاع الطمث لدى النساء مرحلة شائعة لتطور مقدمات السكري، ويعزى ذلك إلى الانخفاض في مستويات هرموني الإستروجين والبروجسترون، مما يعزز تخزين الدهون حول منطقة البطن. هذا التوزيع للدهون يرتبط بشكل وثيق بمقاومة الأنسولين، حيث ينتج الجسم الأنسولين، لكنه لا يتمكن من استخدامه بفعالية.
وفي ظل هذا الوضع، تستمر معدلات الإصابة بمرض السكري في الارتفاع بشكل ملحوظ. وقد شهدت الولايات المتحدة زيادة كبيرة في نسبة المصابين بالسكري خلال الـ 25 عاماً الماضية، حيث يعاني حوالي 12% من السكان من هذا المرض، وتصل النسبة إلى أكثر من 29% بين من تزيد أعمارهم عن 65 عاماً. وللتصدي لهذه الظاهرة، توصي جمعية السكري الأمريكية بأن يخضع جميع البالغين فوق سن 35 لفحص مقدمات السكري والسكري مرة واحدة على الأقل كل ثلاث سنوات، بغض النظر عن وجود عوامل خطر.
فهم تقلبات سكر الدم لتحسين الصحة
بالنسبة للأشخاص الأصحاء عموماً، قد لا يكون هناك حاجة للمراقبة المستمرة لمستويات السكر في الدم، باستثناء الفحوصات الدورية مع الطبيب. ومع ذلك، فإن الوعي بمستويات الغلوكوز يمكن أن يدعم تحقيق أهداف صحية متعددة، تتراوح من الحفاظ على مستويات طاقة مستقرة وتجنب الإرهاق بعد الوجبات، إلى تقليل الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية، وتحسين الحالة المزاجية، وإدارة الوزن.
يعتمد تحقيق هذه الفوائد على فهم كيفية تفاعل الجسم مع مختلف أنواع الأطعمة. على سبيل المثال، يؤدي تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات إلى ارتفاع حاد في سكر الدم، يتبعه انخفاض سريع، مما يترك شعوراً بالتعب. في المقابل، يساعد تناول وجبات متوازنة تحتوي على مزيج من البروتين والدهون والكربوهيدرات على استقرار مستويات السكر في الدم، وبالتالي الحفاظ على مستويات طاقة ثابتة.
من المهم الإشارة إلى أن تقلبات سكر الدم لا تنحصر في تأثير الطعام وحده. فالإجهاد المزمن وقلة النوم يمكن أن يؤديا أيضاً إلى ارتفاع مستويات الغلوكوز. فغالباً ما يميل الناس إلى الاعتقاد بأن الطعام هو السبب الوحيد لارتفاع سكر الدم، بينما قد تكون عوامل أخرى هي المسؤولة. كما يمكن للوجبات غير المنتظمة أو تناول الوجبات الخفيفة في أوقات عشوائية أن يسبب تقلبات حادة.
وتؤكد الخبيرة أن أفضل طريقة للتعامل مع الرغبة الشديدة في تناول الطعام وتقلبات المزاج هي الحفاظ على نطاق ضيق ومستقر لمستويات سكر الدم، بحيث لا ترتفع كثيراً أو تنخفض كثيراً. فعندما ينخفض السكر بشكل كبير، قد يؤدي ذلك إلى الإفراط في تناول الطعام لاحقاً نتيجة الجوع الشديد، مما يرفع مستويات السكر بشكل مفرط ويؤثر سلباً على المزاج. يمكن أن يؤثر هذا التباين المفرط أيضاً على عملية الأيض وربما الوزن.
خطوات عملية لاستقرار مستوى السكر
للحفاظ على استقرار مستويات سكر الدم، تقترح الخبيرة عدداً من الاستراتيجيات الفعالة، والتي تشمل:
- تنظيم أوقات الوجبات: تناول الطعام على فترات منتظمة، ويفضل كل ثلاث ساعات، يساعد في منع التقلبات الحادة في سكر الدم.
- التحكم في كميات الأكل: الالتزام بحصص معقولة من الطعام، جنباً إلى جنب مع مواعيد الوجبات المنتظمة، يعد من العوامل الأكثر فعالية للحفاظ على استقرار سكر الدم.
- اختيار الأطعمة الصحية: يوصى باتباع نظام غذائي غني بالفواكه والخضروات والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات والأسماك والدواجن. هذه الأطعمة تمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول وتقلل من تقلبات سكر الدم.
- البقاء نشيطاً: ممارسة التمارين الرياضية المعتدلة إلى الشديدة لمدة 30 دقيقة على الأقل، خمسة أيام في الأسبوع، تجعل الجسم أكثر كفاءة في استخدام الأنسولين.
- تجنب التدخين: يمكن للتدخين أن يؤثر سلباً على سكر الدم عبر زيادة مقاومة الأنسولين وتشجيع عادات غير صحية أخرى.
- تسجيل ما تأكله: تتبع ما تأكله ومتى تأكله، سواء بالكتابة أو باستخدام تطبيق، يمكن أن يكشف عن أنماط غير واعية في تناول الطعام.
هل يمكن لدواء شائع لعلاج السكري أن يطيل العمر؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن دواء الميتفورمين، الشائع استخدامه لعلاج مرض السكري، قد يكون له دور في إطالة العمر، لا سيما بين النساء المصابات بالسكري. فقد أظهرت دراسة حديثة احتمال وجود صلة بين استخدام الميتفورمين وانخفاض خطر الوفاة قبل سن التسعين، مقارنةً بأدوية أخرى.
ولقد قيم الباحثون بيانات واسعة من مشاركات في دراسة وطنية، وركزوا على النساء المصابات بالسكري من النوع الثاني. وأظهر التحليل أن النساء اللاتي استخدمن الميتفورمين كن أقل عرضة للوفاة مقارنةً بنظرائهن اللاتي استخدمن فئة أقدم من أدوية السكري. وبينما لم تثبت الدراسة أن الميتفورمين يطيل العمر بشكل قاطع، فقد أثبتت وجود ارتباط قوي.
ويُعتقد أن التفاوت في النتائج قد يعود إلى آليات عمل الميتفورمين، بما في ذلك زيادة حساسية الأنسولين، وتقليل عامل النمو المرتبط بخطر الإصابة بالسرطان، وتقليل الالتهاب، وإبطاء الشيخوخة الخلوية. وعلى الرغم من هذه النتائج الواعدة، إلا أن الأبحاث لا تزال مستمرة، وتؤكد الضرورة لإجراء تجارب سريرية واسعة النطاق قبل تأكيد هذه الفوائد بشكل نهائي.
في المستقبل، قد يُنظر إلى الميتفورمين، في حال تأكيد فائدته في إطالة العمر، كعلاج محتمل لإبطاء عملية الشيخوخة البيولوجية، ولكن لا يزال هذا الأمر يتطلب المزيد من الدراسات. وتشير التوصيات الحالية إلى أن أي شخص مصاب بالسكري يجب أن يناقش خيارات العلاج مع طبيبه لتقييم الإيجابيات والسلبيات لكل دواء.
