الاقتصاد العالمي في مهب «عدم اليقين المطلق»: مؤشر تاريخي ينذر بعواقب وخيمة

شهد الاقتصاد العالمي في شهر فبراير (شباط) الحالي دخولاً إلى نفق مظلم من الغموض غير المسبوق، حيث قفز «مؤشر عدم اليقين العالمي» (WUI) إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة بلغت 106862 نقطة. يعكس هذا الارتفاع القياسي حالة من «عدم اليقين المطلق»، متجاوزاً بذلك ذروة التوترات التي شهدتها الأزمات الكبرى مثل أحداث 11 سبتمبر، والأزمة المالية العالمية في 2008، وحتى جائحة «كورونا» في عام 2020. يضع هذا الوضع النظام العالمي أمام أصعب اختبار منذ عقود.

تستمد أهمية هذا الرقم القياسي من طبيعة البيانات التي يعتمد عليها المؤشر؛ فهو لا يستند إلى تقلبات وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاعر المستهلكين، بل إلى تحليل دقيق للتقارير المهنية الصادرة عن خبراء ومحللين في 143 دولة. تعكس هذه التقارير، التي يقيم فيها المحللون المحترفون المخاطر على أرض الواقع، حالة من الشلل في القدرة على التنبؤ بالسياسات المستقبلية، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي.

تحولات جذرية تهدد النظام الاقتصادي العالمي

تُشير التحليلات إلى أن البنوك المركزية، التي كانت في الماضي بمثابة صمامات أمان للأسواق المالية، باتت في عام 2026 جزءاً من معادلة عدم اليقين. فقد تزايدت الضغوط السياسية على استقلالية البنوك المركزية الكبرى، مما دفع الأسواق إلى التشكيك في قدرتها على كبح التضخم أو إدارة أسعار الفائدة بعيداً عن الأجندات الحزبية. هذا التآكل في الثقة بالمؤسسات المالية الأساسية يزيد من حدة المخاطر الاقتصادية.

في واجهة هذا المشهد المضطرب، تبرز «القومية التجارية» بوصفها أكبر تهديد للنمو العالمي. لقد تحوّلت الرسوم الجمركية من مجرد أدوات لحماية الصناعات المحلية إلى أسلحة استراتيجية في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. ويشير تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 إلى أن المواجهات الجيواقتصادية باتت المحرك الأول للأزمات، ما دفع الشركات العالمية إلى الدخول في دوّامة من إعادة هندسة سلاسل الإمداد بشكل متكرر.

الاضطرابات المالية الأمريكية وتأثيرها العالمي

ولا تتوقف المخاطر عند حدود التجارة، بل تمتد لتضرب أسس الاستقرار المالي في الولايات المتحدة، التي كانت تاريخياً صمام أمان للأسواق العالمية. فقد سجل مؤشر عدم اليقين الأميركي مستويات تفوق ما شهده العالم إبان الجائحة، مدفوعاً بالجدل المتصاعد حول استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» والمخاوف بشأن استدامة الماليّة العامة.

يتجلّى هذا القلق بوضوح في أسواق العملات؛ حيث تراجع مؤشر الدولار نحو مستوى 95 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ سنوات. وفي المقابل، اندفع المستثمرون نحو الملاذات الآمنة التقليدية، ما دفع أسعار الذهب للتحليق فوق مستويات 5500 دولار للأونصة. هذا الهروب الجماعي نحو الأصول الصلبة يعكس مخاوف عميقة بشأن استدامة الديون السيادية، خصوصاً مع توقعات تضاعف مدفوعات الفائدة على الديون العالمية خلال السنوات القليلة المقبلة.

غياب التنسيق الدولي وتفتت الحوكمة العالمية

على الصعيد الجيوسياسي، يبدو أن العالم فقد بوصلة التنسيق الجماعي. فالحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، تسببت في نزيف مستمر في أسواق الطاقة والغذاء العالمية، وأجبرت دول «الناتو» على رفع موازنات الدفاع لمستويات تلامس 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الشرق الأوسط، يظل التوتر القائم بين إيران وإسرائيل سيفاً مسلطاً على طرق الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.

هذا المشهد المزدحم بالصراعات، تزامناً مع انسحاب قوى كبرى من منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، وتوسع تكتلات مثل «بريكس» لتعزيز سياسات «إلغاء الدولرة»، أدى إلى تفتت الحوكمة العالمية. ما جعل الأسواق تسعر غياب التنسيق الدولي بوصفه واحداً من أخطر أنواع المخاطر الاستثمارية.

مفارقة أسواق الأسهم والانفصال عن الواقع

وفي مفارقة لافتة، تبدو أسواق الأسهم العالمية منفصلة عن هذا الواقع المليء بالمخاطر؛ حيث يواصل مؤشر «ناسداك» التداول فوق مستويات 24000 نقطة. ويرى المحللون أن هذا الانفصال بين أسعار الأصول ومؤشرات عدم اليقين هو حالة استثنائية تاريخياً؛ حيث عادة ما تترجم هذه الضغوط إلى تقلبات حادة في البورصات.

ختاماً، فإن عام 2026 يرسم صورة لواقع اقتصادي جديد لا تحكمه القواعد القديمة؛ حيث تتوقع الأمم المتحدة نمواً عالمياً متواضعاً، وهو ما يترك الحكومات دون هوامش أمان مالية كافية لمواجهة أي صدمة قادمة. إن مؤشر «106862» نقطة هو جرس إنذار يؤكد أن العالم لا يواجه مجرد أزمة عابرة، بل يمر بعملية إعادة تشكيل شاملة ومؤلمة للنظام الاقتصادي والسياسي. وبالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، فإن الرسالة واضحة: الاستقرار لم يعد مضموناً، والتحوط عبر تنويع العملات والاعتماد على الأصول الدفاعية لم يعد خياراً، بل صار ضرورة حتمية للنجاة في عصر «عدم اليقين المطلق».

شاركها.