شهد حي مشيرب في الدوحة إقامة فعاليات “آرت بازل قطر” في نسخته الافتتاحية، حيث امتلأت الأبنية والساحات المغطاة بلوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض. اتسم الأجواء بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض الفني العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. لم تكن هذه النسخة مجرد تكرار لمعارض “آرت بازل” الأخرى حول العالم، بل اكتسبت طابعاً مميزاً في الدوحة، حيث ركزت الرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، على الفنان بشكل فردي، بدلاً من الصيغة التقليدية التي تعرض أعمالاً متعددة لفنانين مختلفين. هذا التحول جعل تجربة التجول بين المعارض ممتعة، محولة إياها إلى رحلة اكتشاف متعمق لأفكار وممارسات فنان بعينه ضمن إطار السوق الفنية.

وصف وائل شوقي رؤيته للمعرض قائلاً: “ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى”.

“آرت بازل قطر”: منظومة تجمع بين الفنان والسوق

كشفت جولات المعرض عن مشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، تجسدت أرقامه بزيارة أكثر من 17 ألف زائر للنسخة الافتتاحية. وشكل جامعي الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف هذا العدد. وأفاد بيان رسمي بأن صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات شهدت تفاعلاً ملحوظاً من جامعين ومؤسسات فنية، مع طلب خاص على أعمال فنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، والجنوب العالمي.

خلال جولة “الشرق الأوسط” على الغاليريهات المشاركة، برزت أعمال مميزة جذبت الحضور بجمالياتها العالية وتناولها لقضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر: حوار بين الأساطير والواقع

قدم غاليري “بيروتين” مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها لوحات ضخمة تتميز بحوار فريد بين الأساطير والشخصيات الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة، عرض الفنان منحوتات تتناغم مع الشخوص والأشكال الغامضة في لوحاته، مما يخلق نوعاً من الحوار البصري بين الوسيطين الفنيين. وعبر بني صدر عن سعادته بالحضور إلى الدوحة، مشيراً إلى أن فكرة المعرض الفردي لكل فنان تدعم تركيز الزوار على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، على عكس المعارض الفنية العالمية الأخرى.

تحدث بني صدر عن أعماله الجديدة، بما في ذلك لوحات بألوان الباستيل ومنحوتات برونزية يقدمها لأول مرة. وأوضح أن تجربة النحت بالبرونز كانت مذهلة، وأن ارتباطه بفنون الشرق الأدنى يعود لإضفائها صفات تبدو مستقبلية.

إدريس خان: طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري “فيكتوريا ميرو”، استكشف زوار عالم الفنان إدريس خان، الذي عرض أعمالاً مستوحاة من المخطوطات القديمة المذهبة. استدعت بعض الأعمال، ذات الخلفية الزرقاء، “مخطوطة المصحف الأزرق” الفاطمية، حيث تستلهم السلسلة، بعنوان “الزمن الحاضر… الزمن الماضي”، من تقاليد الثقافة الإسلامية برؤية معاصرة. ورغم أن النصوص في مخطوطاته تظل مبهمة، تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان يستخدم رموزاً موسيقية ونصوصاً فلسفية.

وأوضحت المشرفة أن الفنان غالباً ما يعمل على النصوص ويركبها في طبقات. وفي هذه السلسلة، تأثر خان بشعر إميلي ديكنسون، وحول قصائدها إلى نوتات موسيقية أو ترجمات للعربية، بهدف تكثيف المشاعر والمحتوى الروحي في لحظة بصرية واحدة.

سمية فالي و”مجلس العشاق”: استعادة أماكن التجمع

في ساحة مركزية بحي مشيرب، عرضت الفنانة الجنوب أفريقية سمية فالي عملها التركيبي “في مجلس العشاق”، المصمم خصيصاً لمعرض “آرت بازل قطر”. يستلهم العمل من أماكن التجمع المفقودة في أنحاء العالم الإسلامي، من قرطبة إلى غزة وكشمير، وقطر، لنسج الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي. يشيد العمل بأماكن العبادة والأسواق والساحات التي جمعت الناس للصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش. وأعربت فالي عن أملها في أن يلهم العمل فكرة التكاتف لإعادة البناء الجماعي. يتكون العمل من قطع سوداء متحركة يمكن تشكيلها لتناسب التأمل أو التجمعات، بينما تمثل الأرضية خريطة معمارية مستوحاة من الأماكن المفقودة.

عمران قريشي: إحياء تقاليد النسج بنظرة هندسية

قدم الفنان الباكستاني عمران قريشي في أحد أركان المعرض أعمالاً تعيد تصور نسيج “الشارباي” التقليدي بلغة هندسية تجمع بين التجريد والترابط. يستخدم قريشي خيوط نايلون ملونة مشدودة على إطارات فولاذية، متضمنة زخارف هندسية مثل المعين والمتعرج والصليب، بألوان لافتة. كما تشكل بعض الأعمال إطارات مستطيلة تحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

أوضح قريشي أنه استلهم أعماله من تدريبه في فن رسم المنمنمات، مبتكراً سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للزوار دخوله والتفاعل معه. هدفه هو إحياء “الشارباي” التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، مقدماً طرقاً جديدة للنظر إلى هذا التقليد.

آفاق مستقبلية

من المتوقع أن يساهم نجاح النسخة الافتتاحية لـ”آرت بازل قطر” في تعزيز مكانة الدوحة كمركز فني وثقافي مهم في المنطقة، مع تزايد الاهتمام بالفنانين المحليين والإقليميين. وما يثير التساؤل هو مدى استدامة هذا الزخم، ومدى قدرة المعرض على جذب عدد أكبر من المشاركين والزوار في المستقبل، مع تطوير رؤية فنية تلبي تطلعات السوق الفنية العالمية مع الحفاظ على هويتها المحلية.

شاركها.