كشفت دراسة حديثة أن اتباع عادة بسيطة تتمثل في الحفاظ على النشاط البدني بعد تشخيص الإصابة بالسرطان، أو حتى الاستمرار فيه، قد يساهم بشكل كبير في تقليل خطر الوفاة بالمرض. تأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه معدلات البقاء على قيد الحياة من السرطان، مما يؤكد على أهمية الأساليب العلاجية المرافقة التي تدعم صحة المرضى.

لطالما عُرفت فوائد ممارسة الرياضة بانتظام في تحسين الصحة العامة وتقليل خطر الوفاة المبكرة. والآن، تؤكد الأبحاث على الدور المحوري للتمارين الرياضية لكل من مرضى السرطان الذين تم تشخيصهم حديثاً والمتعافين، كعامل مساعد قد يطيل العمر بشكل ملحوظ.

النشاط البدني: حليف قوي في معركة السرطان

أكدت الدكتورة سوزان مالتسر، مديرة برنامج إعادة تأهيل مرضى السرطان في “نورثويل هيلث”، أن للنشاط البدني فوائد جمة لمرضى السرطان في كافة مراحل رحلة العلاج. وأوضحت أن التمارين الرياضية، سواء قبل بدء العلاج، أو أثناءه، أو بعده، وكذلك على المدى الطويل، لها تأثير عميق لا يقتصر على الصحة العامة فحسب، بل غالباً ما يؤثر إيجاباً على مسار المرض نفسه.

استعرضت الدراسة الرئيسية التي أجريت، بيانات لأكثر من 17 ألف ناجٍ من أنواع مختلفة من السرطانات الشائعة. وشملت هذه الأنواع سرطان المثانة، والرئة، والفم، والمبيض، والمستقيم. وتشير النتائج إلى أن النشاط البدني المعتدل إلى المكثف يحسن فرص النجاة من السرطان على المستويين الكلي والجزئي.

وتفسر مالتسر ذلك بالقول: “ينهك السرطان وعلاجه الجسم. فإذا حافظت على قوة عضلاتك، وعلى قدرتك على تجنب الضعف، فستتمكن من التغلب على أي شيء قد يُرهقك”. هذا يعني أن الحفاظ على اللياقة البدنية يساعد الجسم على تحمل أعباء العلاج والتعافي بشكل أفضل.

آليات التأثير على المستوى الخلوي

لا تقتصر فوائد التمرين على قوته البدنية الظاهرة، بل يمتد تأثيره ليشمل آليات دقيقة على المستوى المجهري، مما قد يساهم في منع عودة السرطان. وأشارت مالتسر إلى أن التمرين يعمل كمضاد للالتهابات، مؤكدةً أن “التمرين يؤثر على المستوى المجهري من خلال تعديل تركيبنا الكيميائي الحيوي ومسارات الإشارات الخلوية”. هذا التعديل الكيميائي يمكن أن يخلق بيئة أقل ملاءمة لنمو الخلايا السرطانية أو عودتها.

فوائد ممتدة للمتعافين

لا تقتصر فوائد ممارسة تمارين رفع الأثقال أو المشي على المرضى الذين لا يزالون يتلقون العلاج، بل تمتد لتشمل المتعافين أيضاً، ولسببين رئيسيين. أولهما هو استعادة قوة العضلات التي قد تكون تدهورت بسبب المرض أو العلاج. مع قلة الحركة، يفقد الجسم كتلة عضلية، واستعادتها أمر بالغ الأهمية للوظائف اليومية والوقاية من المضاعفات.

السبب الثاني، والذي أكدت عليه مالتسر، هو أن التمارين الرياضية قد تُعتبر علاجاً بحد ذاتها في بعض الحالات. يعاني مرضى السرطان من إعاقات محددة تختلف باختلاف نوع السرطان. فعلى سبيل المثال، قد تواجه مريضات سرطان الثدي صعوبة في حركة الكتف، بينما قد تعاني مريضات سرطان الرئة من مشاكل في التنفس. التمارين المخصصة يمكن أن تساعد في التغلب على هذه التحديات.

الوقاية من عودة المرض

تُظهر الأبحاث أن التمارين الرياضية تلعب دوراً هاماً في منع عودة بعض أنواع السرطان، خاصة سرطان الثدي. وأوضحت مالتسر أن التمارين تساعد في تقليل نسبة الدهون في الجسم، حيث أن الدهون تفرز هرمون الإستروجين. ونظراً لأن بعض أنواع سرطان الثدي تتغذى على هذا الهرمون، فإن الحفاظ على وزن صحي وقوام رشيق يصبح أمراً ضرورياً للوقاية.

لا يوجد وقت متأخر للبدء

أكدت الدكتورة مالتسر على رسالة تبعث على الأمل، مشيرة إلى أن الجميع يمكنهم جني فوائد النشاط البدني، بغض النظر عن العمر أو مستوى النشاط الحالي. “لم يفت الأوان بعد لبدء ممارسة الرياضة، ولم يفت الأوان بعد لاستعادة كتلة العضلات. الأمر ممكن. الجسم شيء مذهل. لم يفت الأوان بعد”، على حد قولها.

تشير هذه الدراسة إلى أن دمج النشاط البدني كجزء من خطة التعافي من السرطان ليس مجرد رفاهية، بل هو عنصر أساسي قد يساهم في تحسين النتائج الصحية على المدى الطويل. وبينما تستمر الأبحاث في استكشاف الآليات الدقيقة وتحديد أفضل برامج التمارين لأنواع السرطان المختلفة، فإن الرسالة الواضحة هي أن الحركة هي جزء حيوي من رحلة الشفاء.

تتجه الأنظار الآن نحو المؤسسات الصحية والبحثية لتقديم توصيات أكثر تفصيلاً وعمومية حول كيفية دمج النشاط البدني الآمن والفعال في بروتوكولات علاج السرطان، لضمان حصول أكبر عدد من المرضى على هذه الفوائد القيمة. هناك توقعات بأن تشهد السنوات القادمة تكاملاً أكبر للبرامج الرياضية العلاجية في مراكز الأورام.

شاركها.