كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق، أحمد عبيدات، في شهادة مسجلة قبل أحداث “طوفان الأقصى”، تفاصيل مثيرة حول محاولة اغتيال الملك حسين بصاروخ قدمه معمر القذافي لوديع حداد، قائد “المجال الخارجي” ذراع العمليات السرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. جاء ذلك في الحلقة الثانية من شهادته لصحيفة “الشرق الأوسط” والتي تناولت أيضاً كواليس “معركة الكرامة” وأحداث “أيلول الأسود”.

معركة الكرامة: الجيش الأردني هو حاسم المعركة

وصف عبيدات “معركة الكرامة” بأنها كانت نقطة مفصلية بالغة الأهمية للجيش العربي، الذي عاش مرارات هزيمة 1967. وأكد أن الجيش الأردني هو من “حسم المعركة”، حيث أحبط محاولات إسرائيل لبناء جسور والتسلل إلى الأراضي الأردنية، ودُمرت آلياته على أرض المملكة، وهو ما دفع إسرائيل لطلب وقف إطلاق النار لأول مرة في تاريخها، وهو ما رفضه الملك حسين.

وأوضح عبيدات أن الجيش الأردني “كان يضحي بأفراده الذين كانوا يقدمون مواقعهم كأهداف للقصف المدفعي لاستعادة الكرامة والشرف بعد نكسة 1967”. ومع ذلك، أدت “إعلانات الكفاح المسلح” إلى إلغاء دور الجيش في الرواية الإعلامية، ليتقدّم الفدائيون كأبطال حققوا نصراً، مما أدى إلى “هزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين” واحتكارهم للنصر وتجاهل دور الجيش.

أشار عبيدات إلى أن آلاف التبرعات التي جمعتها التنظيمات الفلسطينية لم تصل إلى الشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها، مضيفاً أن هذه التداعيات الإعلامية لشهرة الفدائيين بعد الكرامة أثرت على ما تبعها من أحداث.

أحداث سبتمبر: الفوضى الأمنية وتداعياتها

في معرض حديثه عن أحداث أيلول، بيّن عبيدات أن دخول الجيش الأردني إلى عمّان كان بهدف “تخليص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والفلتان الأمني”. وأكد أن الجيش لم يفرّق بين أردني وفلسطيني في سعيه لاستعادة السيطرة على الأمن.

وتطرق إلى تدخل الجيش السوري، مبيناً أن قرار تحركه كان سياسياً من حزب البعث، وأن وزير الدفاع آنذاك، حافظ الأسد، استجاب له مضطراً، قبل أن تتراجع الدبابات السورية. أما عن التدخل العراقي، فأوضح عبيدات أن القوات العراقية فضلت عدم المشاركة في مغامرة غير محسوبة، خوفاً من تحمل مسؤولية القضية الفلسطينية أو احتمال زعزعة الحكم الملكي الهاشمي، بالإضافة إلى احتمالية تعرضها لارتباك من قبل قيادة العمليات.

وشدد عبيدات على أن “دولة بلا روح واحدة” مثل القيادة العراقية لا يمكنها تحمل أخطاء جوهرية، على عكس التنظيمات التي لها “سبع أرواح كالقطط” على حد قوله. وبذلك، رأى أن القيادة العراقية فضلت عدم المغامرة.

الشرعية الفلسطينية والجيش الأردني

تساءل عبيدات حول ما إذا كان “ظلم الجيش الأردني في رواية معركة الكرامة” قد جعلها مصدر الشرعية لياسر عرفات والمنظمة، وأعاد التأكيد على أن الجيش الأردني، بمدفعيته، هو من هزم إسرائيل في الكرامة، وليس سلاح الجو. وأشار إلى وثائق إسرائيلية وجدت في إحدى آلياتهم كشفت عن خطتهم بالتحرك نحو جبال السلط لفرض التفاوض مع الحكومة الأردنية بعد إنهاء موضوع المنظمات الفدائية.

حمّل عبيدات مسؤولية ما حدث في أيلول لمن “أعلن نفسه سلطة فوق السلطة”، ومن حاول “قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة”، ومن تدخل في شؤون الدولة، وقطع الطرق، واعتقل الجنود، متصرفين كأنهم “أمن وجيش داخل مقار التنظيمات”.

ملف وديع حداد ومحاولة اغتيال الملك حسين

عند انتقاله إلى ملف وديع حداد، أوضح عبيدات أن حداد كان مشهوراً عالمياً، وأنه “كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين” في الفترة ما بين 1975 و1977. وأكد أن معمر القذافي هو من “زوَّدهم بهذا الصاروخ”، وتم نقله إلى الأردن عبر مجموعة يقودها بريك الحديد، مواطن أردني منتمٍ إلى الجبهة الشعبية.

ذكر عبيدات أن المخابرات الأردنية رصدت تحركات المجموعة وتم القبض عليها، مما اضطرهم إلى إبلاغ الملك حسين. وأشار إلى أن الملك حسين، تحسباً لأي مفاجأة، طار بطائرته بعكس الاتجاه المحدد واستخدم أجهزة للتشويش، وهو ما نجح في إحباط المحاولة. وعند مواجهة القذافي بالحقائق، نفى علمه بالأمر.

صرح عبيدات بأن القذافي “ساعدهم في هذا الموضوع” لديه أهمية وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات. وأكد أن المخابرات الأردنية كانت تتابع عن كثب عناصر مثل كارلوس “الذي كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً”، وأنهم كانوا يتابعون تحركاته حتى في السودان.

أيلول الأسود، أبو داود، والتنسيق المخابراتي

اعتبر عبيدات حادثة خطف الطائرات التي نفذتها مجموعات تابعة لوديع حداد بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير” وكانت سبباً رئيسياً في دخول الجيش الأردني، خاصة بعد عقد خاطفي الطائرات مؤتمراً صحفياً في عمّان. وأفاد بأن المخابرات الأردنية لم تكن لديها معلومات مسبقة عن خطة خطف الطائرات، مشيراً إلى حالة “الفلتان الأمني” آنذاك.

بالنسبة لمجموعة “أيلول الأسود”، أكد عبيدات أن المخابرات الأردنية كانت تخترقها، وأن أبو إياد وأبو يوسف النجار كانا مسؤولين عنها. وذكر أنها أُنشئت لاغتيال وصفي التل وتنفيذ عمليات أخرى، لكنها لم تنفذ شيئاً في الأردن لعدم قدرتها. لم يقدم عبيدات تأكيداً قاطعاً حول مسؤولية أبو إياد عن اغتيال وصفي التل، لكنه أشار إلى مسؤولية قيادة “فتح” عن ذلك.

حول قصة أبو داود، ذكر عبيدات أن معلومات توفرت في منتصف عام 1972 عن تخطيطه مع مجموعة من قيادة “فتح” لدخول الأردن من بغداد. وأكد اختراق المخابرات الأردنية لـ”فتح” وللعملية نفسها، حيث تم القبض على المجموعة التي كان يقودها أبو داود في الأردن، بعد الاشتباه بهم وترتيب عملية تفتيش دقيقة للمركبات. وقد اعترف أبو داود بالأمر، موضحاً أن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني كرهائن للمطالبة بإطلاق سراح معتقلين خطرين من منظمة “فتح”.

نفى عبيدات تعرض أبو داود للتعذيب، مشيراً إلى أنه كان “واقعياً” وأدلى باعترافاته الكاملة. وأكد أن الملك حسين قابل أبو داود بعد قراءة اعترافاته، وأن لقاءه بوالدي أبو داود أسهم في إصدار عفو عن ابنهما، مما جعله يتوقف عن تهديد الأردن.

الانتقال إلى رئاسة المخابرات

اختتم عبيدات شهادته بالحديث عن فترة عودته إلى جهاز المخابرات، مشيراً إلى حدوث ارتباك في العمل بسبب اختلاف العقلية القديمة عن الحداثة التي شهدها الجهاز، وما نتج عنه من جفاء بين الضباط. وقد قرر عبيدات مع المرحوم طارق علاء الدين الاستقالة، إلا أن الملك الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ، وبعد أسبوع صدرت إرادة ملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني على التقاعد وتعيين عبيدات مديراً للمخابرات في سبتمبر 1974.

أكد عبيدات على حرص الملك الحسين على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه، وأن علاقته كانت مباشرة، حيث كان الملك يستمع لآرائهم الشخصية ومعلوماتهم. وأشار إلى أن العلاقة أصبحت من خلال المدير الذي يرفع التقارير للملك مباشرة، وأنهم كانوا يقدمون عروضاً أمنية أمام الملك بحضوره ولي عهده وقيادات الدولة.

شاركها.