السعودية تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي للذكاء الاصطناعي مع إطلاق منطقة “أزور”

أكدت شركة مايكروسوفت أن العملاء في المملكة العربية السعودية سيكونون قادرين على تشغيل أعباء العمل السحابية من منطقة مراكز بيانات “أزور” الجديدة اعتباراً من الربع الرابع من عام 2026. هذا الإعلان، الذي جاء خلال جولة “مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي” في الرياض، يمثل تحولاً استراتيجياً للمملكة، حيث تنتقل من مرحلة التجريب إلى التنفيذ الفعلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بفضل تضافر جهود البنية التحتية، والحوكمة، وتنمية المهارات، واعتماد المؤسسات.

صرح تركي باضريس، رئيس “مايكروسوفت السعودية”، في لقاء خاص مع “الشرق الأوسط” على هامش الحدث: “تأكيد تمكين العملاء من تشغيل أعباء العمل السحابية من منطقة مراكز بيانات (أزور) في الربع الرابع من 2026 يمنح المؤسسات وضوحاً وثقة أثناء تخطيط رحلتها الرقمية ورحلة الذكاء الاصطناعي”. ويشير هذا إلى أن المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى لم تعد تعتمد على التجارب فقط، بل تنتظر توفر البنية التحتية المحلية، ومواءمة المتطلبات التنظيمية، وضمان استمرارية التشغيل قبل التوسع في تبني الذكاء الاصطناعي.

من التجارب إلى بيئات الإنتاج: مرحلة جديدة للذكاء الاصطناعي في السعودية

شهدت مسيرة الذكاء الاصطناعي في السعودية تطوراً ملحوظاً، حيث انتقلت من مرحلة تأسيس القدرات الرقمية وتطوير الأطر التنظيمية إلى مرحلة التفعيل والاستخدام الفعلي. وأوضح باضريس أن الحوار قد تغير بالفعل، حيث تعمل مايكروسوفت بشكل وثيق مع الجهات الحكومية والمؤسسات والشركاء لدعم الجاهزية من تحديث البيانات والحوكمة إلى تطوير المهارات، مما يمكّن العملاء من الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة الإنتاج بثقة. الفرق بين “التجريب” و”الإنتاج” جوهري، إذ تختبر التجارب الإمكانات، بينما تعيد بيئات الإنتاج تشكيل سير العمل.

وتجسد شركات مثل “قدية للاستثمار” و”أكوا باور” هذا التحول. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كمبادرات تجريبية منفصلة، باتت هذه الجهات تدمجه في عملياتها اليومية. تستخدم “أكوا باور” خدمات “أزور للذكاء الاصطناعي” ومنصة البيانات الذكية لتحسين عمليات الطاقة والمياه عالمياً، مع التركيز على الاستدامة وكفاءة الموارد من خلال الصيانة التنبؤية والتحسين المعتمد على الذكاء الاصطناعي. أما “قدية”، فقد وسعت استخدام “مايكروسوفت 365 كوبايلوت” لتمكين الموظفين من تلخيص الاتصالات، وتحليل البيانات، والتفاعل مع لوحات المعلومات.

البنية التحتية كإشارة استراتيجية: منطقة “أزور” وتعزيز السيادة الرقمية

توفر منطقة مراكز بيانات “أزور” الجديدة في شرق المملكة مزايا تتجاوز تقليل زمن الاستجابة، فهي تعزز الإقامة المحلية للبيانات وتدعم متطلبات الامتثال وتقوي الأطر السيادية الرقمية. في القطاعات المنظمة بشدة مثل المالية، والرعاية الصحية، والطاقة، والخدمات الحكومية، لا تُعد مواءمة البيانات مع المتطلبات التنظيمية خياراً، بل ضرورة حتمية.

وأكد باضريس أن هذا الإنجاز يمثل “محطة مهمة في التزامنا طويل الأمد بتمكين أثر حقيقي وقابل للتوسع للقطاعين العام والخاص في المملكة”. ويعكس التركيز على “الأثر القابل للتوسع” فهماً أعمق بأن البنية التحتية لا تخلق القيمة بحد ذاتها، بل تهيئ الظروف لبنائها. وتتعامل السعودية مع الذكاء الاصطناعي كبنية اقتصادية أساسية، شبيهة بشبكات الطاقة أو النقل، والتي تشكل قاعدة لرفع الإنتاجية.

الحوكمة كمحفّز للسرعة: تسريع تبني الذكاء الاصطناعي

على المستوى العالمي، غالباً ما يُنظر إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي كعامل مُقيّد. أما في الحالة السعودية، فتبدو الحوكمة مدمجة في استراتيجية التسريع. يتطلب اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة أطر ثقة واضحة، ويجب أن يكون الامتثال جزءاً من التصميم وليس إجراءً لاحقاً. كما أن مواءمة الخدمات السحابية مع متطلبات السيادة الرقمية الوطنية يقلل من الاحتكاك عند مرحلة التوسع. عندما تثق المؤسسات بأن الامتثال مدمج في المنصة نفسها، تصبح قرارات التوسع أسرع، وبهذا المعنى، تتحول الحوكمة إلى عامل تمكين.

العائق غير المرئي: البنية البيانية وتحدي المهارات

رغم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتصدر العناوين، فإن التحدي الأكبر في المؤسسات غالباً ما يكمن في بنية البيانات. فأنظمة البيانات المجزأة، والصوامع المؤسسية، ونقص الحوكمة الموحدة، كلها عوامل تعيق التوسع. تركز الاستراتيجية في السعودية على تحديث البنية البيانية كأساس، فبيئة بيانات منظمة ومتكاملة هي شرط مسبق لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية. بدون هذا الأساس، يبقى الذكاء الاصطناعي سطحياً.

أحد أكبر التحديات عالمياً هو فجوة المهارات، وقد التزمت السعودية بتأهيل ثلاثة ملايين شخص بحلول عام 2030. التركيز لا يقتصر على الوعي، بل على التطبيق، إذ لا يمكن أن ينجح التحول دون رأس مال بشري قادر على دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل. وقد أشار باضريس إلى أهمية تطوير المهارات ضمن منظومة الجاهزية الشاملة، موضحاً أن التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تقاس فقط بقدرات النماذج، بل بقدرة القوى العاملة على توظيفها.

التحول القطاعي كاستراتيجية اقتصادية

لم تقتصر جولة الذكاء الاصطناعي في الرياض على العروض التقنية، بل سلطت الضوء على حالات استخدام قطاعية في الطاقة، والمشاريع الكبرى، والخدمات الحكومية. هذه التطبيقات ليست هامشية، بل هي ركائز لـ”رؤية 2030″. إن دور الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة الطاقة يعزز الاستدامة، وفي إدارة المشروعات الكبرى يرفع كفاءة التنفيذ، وفي الخدمات الحكومية يحسن تجربة المواطن. فالذكاء الاصطناعي هنا ليس صناعة مستقلة، بل محرك أفقي للإنتاجية.

التموضع في المشهد العالمي: السعودية نحو ريادة الذكاء الاصطناعي

تُقاس ريادة الذكاء الاصطناعي عالمياً بأربعة عناصر: الحوسبة، والحوكمة، وتكامل المنظومة، وجاهزية المهارات. وتعمل السعودية على مواءمة هذه العناصر في وقت واحد. فمنطقة “أزور” الجديدة توفر الحوسبة، كما تعزز الأطر التنظيمية الثقة، والشراكات تدعم التكامل، وبرامج التدريب ترفع الجاهزية.

تدخل السعودية الآن مرحلة حاسمة في مسار الذكاء الاصطناعي، حيث البنية التحتية مؤكدة، والاستخدامات المؤسسية تتوسع، والحوكمة مدمجة، والمهارات تتطور. ويعد باضريس بأن الإعلان يمنح المؤسسات “وضوحاً وثقة” لتخطيط رحلتها، وهذا الوضوح قد يكون الفارق بين الطموح والتنفيذ. هنا تكمن دلالة جولة “مايكروسوفت” في الرياض، إذ لم تعد البنية التحتية هي الهدف، بل أصبحت المنصة التي يُبنى عليها التحول المستقبلي.

شاركها.