في خضم السباق العالمي نحو توسيع البنى التحتية الرقمية، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كان امتلاك شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية والمنصات الرقمية كافياً لتحقيق التحول الرقمي المنشود. يجادل الخبراء بأن التركيز وحده على البنية التحتية هو خطأ شائع، وأن المحرك الحقيقي للتغيير في عصر الذكاء الاصطناعي يكمن في القدرات البشرية والتعليم الرقمي كبنية تحتية أساسية.
حسين درويش، رئيس الاستراتيجية والأداء في منظمة التعاون الرقمي (DCO)، يؤكد في تصريحات خاصة أن “البنية التحتية بحد ذاتها لا تُحدث أثراً”. مع تسارع وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي، يصبح الإنسان، بمهاراته وقدراته، هو القوة الدافعة الأساسية للتغيير والازدهار الرقمي، وليس مجرد الاتصال بالشبكات.
التعليم الرقمي: حجر الزاوية لازدهار الذكاء الاصطناعي
شهدت دول منظمة التعاون الرقمي استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، وهي استثمارات ضرورية لا شك. ومع ذلك، يحذر درويش بشدة من خطأ عكس ترتيب الأولويات. يوضح أن “الاقتصادات الرقمية لا يمكنها أن تزدهر دون أشخاص يمتلكون المهارات اللازمة لاستخدام هذه التقنيات بفعالية”. إذا لم تتطور أنظمة التعليم بالتوازي مع هذه البنى التحتية، فإن الفرصة تضيع.
يتوافق هذا الطرح مع مخرجات الجمعية العامة الخامسة للمنظمة، التي اعتمدت “إعلان الكويت بشأن الذكاء الاصطناعي المسؤول من أجل ازدهار رقمي عالمي”. يؤكد الإعلان على أن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون شاملاً وموثوقاً وقابلاً للقياس، وهي مبادئ لا يمكن تحقيقها إلا بوجود كفاءات مؤهلة. يضيف درويش أن “التحوُّل الحقيقي يحدث عندما تتوازن الاستثمارات في الاتصال مع الاستثمارات في التعليم والمهارات الرقمية والقدرات البشرية”.
التعليم الرقمي كبنية تحتية وطنية
إذا تم اعتبار التعليم الرقمي جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الوطنية، فإن ذلك سيؤدي إلى تحول نوعي في أنظمة التعليم، مع التركيز على الاستثمار المستدام والشامل في المهارات الرقمية، وتحديث المناهج، وتمكين المعلمين. ستُعامل الثقافة الرقمية كمهارة أساسية مدمجة في جميع المراحل والمواد التعليمية، بدلاً من اعتبارها مجرد إضافة هامشية.
لكن التغيير لا يقتصر على جانب التمويل، بل يشمل أيضاً آليات القياس. ففي الوقت الحالي، غالباً ما يُقاس التقدم الرقمي بمؤشرات الوصول، مثل نسب انتشار الإنترنت أو توزيع الأجهزة. ويرى درويش أن هذا غير كافٍ، وأن “أدوات القياس يجب أن تتطور لتتجاوز مؤشرات الوصول، وتركز على النتائج، أي ضمان تطوير قدرات رقمية عملية، وتفكير نقدي، وجاهزية لسوق العمل”.
الفجوة الخفية في المهارات الرقمية
أحد أكبر المخاوف التي يثيرها درويش يتمثل في فجوة دقيقة لكنها مؤثرة، تتمثل في الفرق بين الألفة الرقمية الأساسية والمهارات الرقمية الجاهزة لسوق العمل. يتقن الكثير من الشباب استخدام الأدوات الرقمية لأغراض اجتماعية، ولكن قلة منهم يمتلكون القدرة على البرمجة، أو تحليل البيانات، أو توظيف التكنولوجيا مهنياً. ويرى أن “عدداً أقل بكثير لديه القدرة على البرمجة أو تحليل البيانات أو تطبيق الأدوات الرقمية بشكل احترافي”.
هذه الفجوة تحد من الابتكار، والإنتاجية، والتنوع الاقتصادي؛ فالدول التي تستهلك التكنولوجيا دون أن تنتجها أو تطورها تفقد فرصاً استراتيجية مهمة. الاستثمار في التعليم الرقمي هو مفتاح لسد هذه الفجوة وضمان أن تكون المجتمعات مستعدة للاستفادة من الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.
مسار تدريجي لبناء المهارات
يعتقد درويش أن الحل يجب أن يُبنى تدريجياً، معتبراً أنه “ينبغي التعامل مع الأمر بوصفه مساراً متدرجاً”. يبدأ هذا المسار بتأسيس مهارات رقمية أساسية في سن مبكرة، ثم الانتقال إلى التفكير الحاسوبي وحل المشكلات، وصولاً إلى مهارات متقدمة مثل البرمجة وعلوم البيانات. ومع ذلك، تؤكد التحليلات على أن المهارات التقنية وحدها لا تكفي. يشدد درويش على ضرورة أن يركز التعليم أيضاً على الإبداع، والتفكير النقدي، والتعاون. هذا التوازن ضروري في عصر الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ظل تأكيد “إعلان الكويت” على أهمية الحوكمة الأخلاقية لتجنب المخاطر المرتبطة بالتحيز وعدم المساواة.
المعلمون: مضاعف للأثر الرقمي
لا يمكن تحقيق التحول الرقمي المنشود دون تمكين المعلمين، الذين “يحتاجون إلى تطوير مهني مستمر، وتدريب في التربية الرقمية، والوصول إلى أدوات حديثة”، حسبما يقول درويش. يواجه العديد من المعلمين تحديات بسبب عدم حصولهم على تدريب كافٍ لدمج التقنيات الرقمية في التعليم. وبدون دعم مستدام، قد تفشل المبادرات الرقمية رغم التمويل المخصص لها. ويؤكد درويش أن “الاستثمار في المعلمين يضاعف الأثر، لأن كل معلم مؤهل يؤثر في مئات الطلاب”.
يصرح درويش بأن الوصول إلى الإنترنت والأجهزة ضروري، لكنه غير كافٍ، وأن “الاندماج الحقيقي يتطلب أكثر من الاتصال والأجهزة. يتطلب مهارات رقمية، وجاهزية المعلمين، وبيئات تعليمية داعمة”. بدون هذه العناصر، يظل الوصول شكلياً لا تحويلياً.
يربط درويش بين التعليم الرقمي والأداء الاقتصادي بشكل مباشر، وينوه بأن “الفجوة المستمرة في المهارات الرقمية تمنع الدول من الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية؛ ما يحد من الابتكار والإنتاجية والتنويع الاقتصادي”. ويحذر كذلك من أن تجاهل التعليم الرقمي سيؤدي إلى “اتساع فجوات عدم المساواة، وفقدان فرص اقتصادية، وتراجع القدرة التنافسية”. في المقابل، فإن الاستثمار في التعليم الرقمي “يمكّن الأفراد ويقوي الاقتصادات، ويضمن استفادة المجتمعات من التقدم التكنولوجي”.
شراكات مستدامة تبني منظومات قوية
يشدد درويش على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بشرط أن تكون مستدامة ومتوافقة مع الاستراتيجيات الوطنية. ويوضح أن “الشراكات الناجحة تركز على بناء منظومات مهارات مستدامة، لا برامج تدريب قصيرة الأجل”. كما يلفت إلى ارتفاع مشاركة النساء في قطاع تقنية المعلومات خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن الدرس الأهم هو أن الشمولية يجب أن تُبنى منذ البداية، وأن “الشمولية يجب أن تكون مقصودة ومضمنة في استراتيجيات التعليم وسوق العمل”.
يختتم درويش حديثه بتحذير واضح: “التعليم هو أساس الازدهار الرقمي، وأن تكلفة التقاعس مرتفعة للغاية”. إذا كانت الموجة الأولى من التحول الرقمي قد ركزت على بناء الشبكات، فإن الموجة التالية ستتركز حتماً على بناء المواهب البشرية القادرة على قيادة هذا التحول.
