في اكتشاف أثري مهم يعيد كتابة تاريخ الاستيطان البشري في شمال إنجلترا، أظهرت تحاليل الحمض النووي أن أقدم رفات بشرية معروفة في المنطقة، والتي عُرفت سابقًا باسم “إنسان الكهوف”، تعود لطفلة صغيرة عاشت قبل أكثر من 11 ألف عام. هذا الاكتشاف يغير فهمنا للعصور القديمة في بريطانيا ويقدم رؤى جديدة حول ممارسات الدفن والحياة في العصر الحجري الوسيط.

تم العثور على الرفات في كهف “هينينغ وود بون” بالقرب من قرية غريت أورسويك في شبه جزيرة فرنِس بمقاطعة كمبريا. وقد أثار هذا الاكتشاف اهتمامًا كبيرًا في الأوساط الأثرية، حيث يمثل أحد أقدم الأدلة على النشاط البشري في شمال بريطانيا بعد نهاية العصر الجليدي الأخير.

الكشف عن هوية “إنسان الكهوف”: قصة أوسيك لاس

أظهرت التحاليل الجينية الدقيقة أن الرفات تعود لطفلة يتراوح عمرها بين عامين ونصف وثلاثة أعوام ونصف عند وفاتها. وأطلق عليها الباحثون اسم “أوسيك لاس” تكريمًا للهجة المحلية، حيث تُنطق “أورسويك” تقليديًا بهذه الطريقة. هذا التحديد الدقيق للعمر والجنس يمثل إنجازًا علميًا بحد ذاته، نظرًا لقدم الرفات.

وفقًا للدكتور ريك بيترسون، قائد فريق البحث من جامعة لانكشاير، “إنها المرة الأولى التي نتمكن فيها من تحديد عمر طفلة بهذه الدقة، مع التأكد في الوقت عينه من أنّ الرفات تعود لأنثى، رغم قِدمها الشديد”. يشير هذا إلى التقدم الكبير في تقنيات تحليل الحمض النووي القديم.

طقوس الدفن والحياة في العصر الحجري الوسيط

تشير الأدلة إلى أن جثمان الطفلة وُضع بعناية في الكهف بعد وقت قصير من وفاتها، وربما دُفن برفقة خرز مصنوع من الأصداف. هذا يشير إلى أن مجتمعات العصر الحجري الوسيط كانت تمارس طقوس دفن معقدة، مما يعكس معتقداتهم الروحية.

يُعتقد أن هذه المجتمعات الرُّحَّل كانت تعيش في الغابات وتعتمد على النباتات البرية والبندق واللحوم في غذائها. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنهم تبنوا نظرة روحية إلى الطبيعة، واعتبروا الحيوانات كائنات ذات بعد روحي، وهو ما قد يفسر اختيارهم للكهوف كمواقع للدفن.

تشير الدراسات إلى أن البشر الذين عاشوا في تلك المرحلة كانوا يشبهون الإنسان الحديث في هيئتهم وقدراتهم الكلامية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف اللغة التي كانوا يتحدثونها، ولكن من المرجح أنهم كانوا يقطعون مسافات طويلة ويتفاعلون مع جماعات وقبائل متعددة.

أهمية الاكتشاف وأبعاده الأثرية

يمثل هذا الاكتشاف أحد أقدم الشواهد المعروفة على النشاط البشري في بريطانيا بعد انحسار الصفائح الجليدية. بالإضافة إلى ذلك، يقدم دليلًا واضحًا على أن مجتمعات العصر الحجري الوسيط كانت تمارس طقوس دفن موتاها، مما يلقي الضوء على جوانب ثقافية واجتماعية مهمة في تلك الفترة.

عُثر في الموقع نفسه على قطع حليّ، بما في ذلك سنّ غزال مثقوبة وخرز إضافي، والتي يعود تاريخها أيضًا إلى حوالي 11 ألف عام. يؤكد الفريق البحثي أن تأريخ هذه الحليّ إلى الإطار الزمني نفسه الذي تعود إليه الرفات يعزز فرضية أن الأمر يتعلق بدفن متعمد وليس مجرد ترسُّب عرضي.

على الرغم من العثور على بقايا بشرية أقدم في جنوب إنجلترا وويلز، إلا أن الظروف الجيولوجية في شمال بريطانيا جعلت مثل هذه الاكتشافات نادرة. قبل هذا الكشف، كان أقدم “شمالي” معروف قد اكتُشف عام 2013 في كهف “كنتس بانك كافرن”، حيث عُثر على جزء من عظمة ساق بشرية.

تشير التحقيقات إلى أن ما لا يقل عن ثمانية ذكور آخرين دُفنوا أيضًا في كهف “هينينغ وود بون”، مما يشير إلى أن الموقع كان يستخدم كموقع دفن على مدى فترة طويلة من الزمن. تعود هذه الرفات إلى ثلاث فترات مختلفة من عصور ما قبل التاريخ، مما يدل على استمرارية النشاط البشري في المنطقة.

يتوقع الدكتور بيترسون أن مجتمعات العصر الحجري الوسيط كانت تعيش في مجموعات صغيرة تضم ما يصل إلى 10 عائلات، مع بنية اجتماعية أفقية. ويضيف: “لم يكن هناك زعيم أو رئيس، لكن كانت هناك قسمة واضحة وصارمة للأدوار، بحيث يعرف كلّ فرد مهمته، سواء كانت جمع النباتات أم الصيد”.

نُشرت نتائج البحث في دورية “وقائع جمعية ما قبل التاريخ”. من المتوقع أن يستمر الباحثون في تحليل الرفات والحليّ الموجودة في الموقع، بهدف الحصول على مزيد من المعلومات حول حياة ومعتقدات مجتمعات العصر الحجري الوسيط في شمال إنجلترا. وستركز الأبحاث المستقبلية على تحليل الحمض النووي الإضافي ومقارنته مع عينات أخرى من مواقع أثرية أخرى في أوروبا، مما قد يكشف عن المزيد من التفاصيل حول أصول وهجرات هذه المجتمعات القديمة.

شاركها.