عشاق الموضة يتساءلون: كيف يواصل المصممون الجدد إرث بيوت الأزياء العريقة؟ شهد أسبوع الموضة الأخير تنافساً إبداعياً بين عروض سكياباريللي، شانيل، وديور، حيث قدم كل مصمم رؤيته الخاصة مع احترام تاريخ الدار. هذا الموسم، بدا التركيز على معنى الاستمرارية والتجديد في عالم الأزياء الراقية.

بين السريالية الجريئة في سكياباريللي والرومانسية الهادئة في ديور، برزت ثنائية واضحة هيمنت على فعاليات الأسبوع. هذا التنوع يعكس قدرة المصممين على التكيف مع التغيرات في عالم الموضة، مع الحفاظ على جوهر العلامات التجارية العريقة. الأسبوع لم يكن مجرد استعراض للأزياء، بل سباقاً للأفكار يهدف إلى إحياء هذه الدور.

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

شهدت التسعينيات ظهور مصممين بريطانيين مثل جون غاليانو وألكسندر ماكوين وفيبي فيلو، الذين أحدثوا ثورة في عالم الموضة الباريسي. هذه الحقبة كانت بمثابة نقطة تحول، حيث فتحت الأبواب أمام أساليب جديدة ومبتكرة. اليوم، نشهد دخول مصممين شباب إلى بيوت الأزياء الكبيرة، مثل ماثيو بلايزي في شانيل وجوناثان أندرسون في ديور، ودانييل روزبيري في سكياباريللي، بهدف إضفاء الحيوية على هذه الدور.

يتعامل هؤلاء المصممون مع دورهم ليس كمجرد تقديم أزياء جميلة، بل كمنصة لتفجير المخيلة وإثارة المشاعر. إنهم يسعون إلى تقديم تصاميم جريئة ومبتكرة، تتحدى التقاليد وتدعو إلى التفكير. هذا النهج يتماشى مع روح العصر، حيث يبحث المستهلك عن التميز والتفرد.

عهد جوناثان أندرسون الجديد في ديور

تميز عرض ديور لربيع وصيف 2026 بأنه سيمفونية تغذي الحواس، مع الحفاظ على الإيقاع التاريخي للدار. أندرسون لم يخرج عن التقاليد، ولكنه أضاف لمسة عصرية ومبتكرة. هذا التوازن بين الماضي والحاضر هو ما جعل عرضه ناجحاً للغاية.

أعرب أندرسون عن إعجابه الشديد بالمصمم جون غاليانو، واصفاً إياه بالملهم والقدوة. الحنين إلى عهد غاليانو يعكس الرغبة في العودة إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. يعتقد الكثيرون أن ديور فقدت هذه الروح بعد خروج غاليانو في عام 2011.

في بودكاست أجراه أندرسون، ذكر أن غاليانو علمه “الحلم بالحجم الكبير”. هذا الإلهام ظهر جلياً في مجموعته الجديدة، التي تميزت بتصاميم جريئة ومبتكرة. دعوة غاليانو لمشاهدة المجموعة الأولى لأندرسون، وتقديمه باقة زهور، كانت بمثابة اعتراف بالاستمرارية والتأثير المتبادل بين الأجيال.

الإبداع والوفاء في تصاميم ديور

استلهم أندرسون من الورود، وهي رمز مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ ديور، لتقديم تصاميم تجمع بين الجمال والأناقة. هذا الاستلهام لم يكن مجرد خيار جمالي، بل كان تعبيراً عن الوفاء لتراث الدار. الورود في تصاميم ديور لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب تعبر عن تقدير الماضي والتطلع إلى المستقبل.

أكد أندرسون أن مجموعته ليست مجرد تقليد للماضي، بل هي “عدسة تفسيرية” تعيد تفكيك الحاضر وإعادة تجميعه. هو لا يسعى إلى أن يكون بديلاً لغاليانو، بل إلى أن يكون استمراراً له. ديور، وفقاً لرأيه، هي عملية إبداعية مستمرة تتطور مع كل مصمم.

سكياباريللي: بين الألم والنشوة

في المقابل، قدم دانييل روزبيري في سكياباريللي مجموعة بعنوان “الألم والنشوة”، مستوحاة من زيارته لكنيسة سيستينا في روما. هذه المجموعة تميزت بتصاميم جريئة ومثيرة للجدل، تعبر عن مشاعر متناقضة. روزبيري يرى أن الـ”هوت كوتور” ليس مجرد أزياء، بل هو مساحة للتعبير عن الذات واستكشاف المشاعر.

استخدم روزبيري عناصر غير تقليدية في تصاميمه، مثل ذيول العقارب وأسنان الأفاعي، لخلق تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير. الألوان مستوحاة من طيور الجنة، مما يضفي على المجموعة لمسة من الغموض والجاذبية. روزبيري يؤكد أن تصاميمه ليست تمرداً على الواقع، بل هي احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل وحرفية الخياطة الراقية.

في الختام، يمثل دخول مصممين جدد إلى بيوت الأزياء العريقة فرصة للتجديد والإبداع. من خلال احترام التراث والابتكار في التصميم، ينجح هؤلاء المصممون في الحفاظ على مكانة هذه الدور في عالم الموضة. من المتوقع أن يستمر هذا التوجه في المستقبل، مع التركيز على الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية في صناعة الأزياء. ما يجب مراقبته هو كيفية استجابة المستهلكين لهذه التصاميم الجديدة، وما إذا كانت ستساهم في إعادة تعريف مفهوم الـ”هوت كوتور”.

شاركها.