وجهت السياسية الاشتراكية الفرنسية، سيغولين رويال، انتقادات حادة إلى وثائقي تلفزيوني بثته قناة فرنسية، معتبرةً إياه “مسيئاً للجزائر”. يأتي هذا الانتقاد بعد أن تناول الوثائقي التوترات الحادة بين البلدين، في وقت تسعى رويال إلى تعزيز المصالحة بينهما، وذلك خلال زيارتها للجزائر يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين. وقد أثار هذا الوثائقي ردود فعل غاضبة في الجزائر، واستدعت وزارة الخارجية الجزائرية القائم بالأعمال في سفارة فرنسا للاحتجاج.

صرّحت رويال، رئيسة جمعية «فرنسا – الجزائر»، للتلفزيون العمومي الجزائري، بأنها رفضت المشاركة في البرنامج المثير للجدل، واصفةً إياه بأنه عمل «مهين» للجزائر و«موجّه سياسياً». وأكدت التزامها بالمصالحة بين البلدين، لكنها شددت على ضرورة احترام السيادة الجزائرية.

انتقادات للوثائقي وتأثيره على العلاقات الفرنسية الجزائرية

أوضحت رويال أنها تلقت دعوة للظهور في فقرة بنهاية البرنامج، لكنها اشترطت الاطلاع على المحتوى مسبقاً نظراً لحساسية الموضوع. وأكدت أنها فور مشاهدتها للوثائقي قررت عدم الإسهام فيه أو «السماح باستخدام اسمها لجذب المشاهدين نحو مادة أرفضها تماماً»، معتبرةً إياه «إهانة كبيرة للجزائر». وأشارت إلى أن الوثائقي افتقر إلى أي جانب إيجابي في العلاقات الثنائية.

وقالت رويال إنها وجهت رسالة نصية إلى القائمين على البرنامج، تبلغهم فيها بأن مضمون الوثائقي «غير مقبول». وتساءلت بلهجة استنكارية: «تخيلوا لو أن قناة تلفزيونية عمومية جزائرية بثت التقرير نفسه عن إيمانويل ماكرون، فكيف سيكون رد فعل فرنسا؟».

الجدل المحيط بالوثائقي يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الفرنسية الجزائرية توتراً ملحوظاً، خاصةً بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في يوليو 2024. وقد أدى هذا الاعتراف إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتصاعد حدة الخطاب السياسي والإعلامي.

دور مزدوجي الجنسية في إثارة الجدل

في سياق تحليلها لأهداف التقرير التلفزيوني، رأت رئيسة جمعية «فرنسا – الجزائر» أن «الغاية منه هي محاولة إقصاء مزدوجي الجنسية عبر التشكيك في ولائهم». وانتقدت استناد البرنامج إلى «شهادة مجهولة المصدر لمنتخبة تزعم تعرضها لضغوط»، معتبرةً أن تواصل القنصليات مع رعاياها لتنشيط حضورهم هو دور طبيعي ومعمول به.

وأكدت رويال أن بث هذا «السم الصغير»، المتمثل في اتهام المنتخبين بـ«الخضوع لتدخل أجنبي»، يشكل، وفقها، «آلية معروفة تأتي قبل شهرين فقط من الانتخابات البلدية في فرنسا، وذلك بهدف إقصائهم عن المشهد السياسي».

الوثائقي تناول تحقيقاً استقصائياً بعنوان «حرب خفية» بين فرنسا والجزائر، وتطرق إلى مذكرة صادرة عن جهاز الأمن الداخلي الفرنسي تتعلق بلقاء مزعوم بين مستشارة بلدية فرنسية من أصول جزائرية وعنصر استخباراتي جزائري. كما تضمن الوثائقي ظهور المعارض أمير بوخرص، الذي وجه اتهامات مباشرة إلى الرئيس الجزائري.

وقد أثار الوثائقي ردود فعل غاضبة في الجزائر، حيث استدعت وزارة الخارجية الجزائرية القائم بالأعمال في سفارة فرنسا للاحتجاج. وأكدت الوزارة على «خطورة تورط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، وعدته «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية».

تداعيات الوثائقي ومستقبل العلاقات الثنائية

تأتي انتقادات رويال للوثائقي في أعقاب استقبالها من طرف الرئيس تبون، حيث أكدت على أهمية تعزيز الحوار والصداقة بين البلدين، والعمل على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. ومع ذلك، لم يلق خطاب رويال قبولاً في فرنسا، بل أثار هجمات حادة من المعسكر المعارض للتقارب مع الجزائر.

ويعكس هذا الجدل التحديات التي تواجه جهود المصالحة بين فرنسا والجزائر. فمن جهة، هناك رغبة في الجزائر في تجاوز الخلافات التاريخية وبناء علاقات جديدة مع فرنسا. ومن جهة أخرى، هناك معارضة قوية في فرنسا لأي تقارب مع الجزائر، خاصةً من قبل اليمين المتطرف.

من المتوقع أن تستمر التوترات بين البلدين في المدى القصير، خاصةً مع اقتراب الانتخابات البلدية في فرنسا. ومع ذلك، يبقى الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد لحل الخلافات وبناء علاقات مستدامة بين فرنسا والجزائر. وسيكون من المهم مراقبة ردود الفعل الفرنسية الرسمية على انتقادات رويال، وكيف ستؤثر هذه الانتقادات على مسار العلاقات الثنائية في المستقبل.

شاركها.