أظهرت دراسة حديثة أن التدخل المبكر يلعب دوراً حاسماً في مساعدة الأطفال المصابين بـالتوحد على تحسين مهارات النطق والتواصل. ووفقاً للباحثين، فإن هذه التدخلات يمكن أن تساعد ما يقرب من ثلثي الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الكلام، سواء كانوا غير قادرين على التحدث تماماً أو يتحدثون بشكل محدود، على اكتساب القدرة على التعبير عن أنفسهم لفظياً.

نُشرت نتائج الدراسة، التي أجراها باحثون في جامعة دريكسل بالولايات المتحدة، في مجلة علم النفس السريري للأطفال والمراهقين في نهاية نوفمبر الماضي. وتأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه العالم ارتفاعاً في معدلات تشخيص التوحد، ويرجع ذلك جزئياً إلى تحسين أساليب الفحص وزيادة الوعي بالأعراض. تشير تقديرات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) لعام 2025 إلى أن طفلاً واحداً من بين كل 31 طفلاً في الولايات المتحدة يعاني من اضطراب طيف التوحد.

أهمية التدخل المبكر في تحسين النطق لدى الأطفال المصابين بالتوحد

تعتبر صعوبات النطق والتواصل من التحديات الشائعة التي تواجه الأطفال المصابين بالتوحد. تشير الدراسات إلى أن حوالي ثلث هؤلاء الأطفال يواجهون صعوبة كبيرة في التعبير عن أنفسهم من خلال الكلام، وغالباً ما يقتصرون على ترديد كلمات مفردة أو عبارات بسيطة. هذه الصعوبات يمكن أن تؤثر على تطورهم المعرفي والاجتماعي والعاطفي.

يؤكد الخبراء على أن الأطفال الذين يكتسبون اللغة المنطوقة في وقت متأخر من الطفولة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بإعاقات إدراكية في مراحل لاحقة من حياتهم. لذلك، فإن تنمية المهارات اللغوية تعتبر هدفاً رئيسياً في برامج التدخل المبكر.

منهجية الدراسة ونتائجها

قام الفريق البحثي بتحليل بيانات من دراسات متعددة شملت 707 طفلاً مصاباً بالتوحد في مرحلة ما قبل المدرسة، تتراوح أعمارهم بين 15 و68 شهراً. شارك جميع الأطفال في أنواع مختلفة من التدخلات المبكرة المصممة خصيصاً لتعليم اللغة المنطوقة، بالإضافة إلى مهارات التواصل غير اللفظي، لمدة تتراوح بين 6 أشهر وسنتين، بمعدل لا يقل عن 10 ساعات أسبوعياً.

صنف الباحثون الأطفال إلى مجموعتين: مجموعة “تتحدث بشكل محدود” (66% من العينة) وغير قادرين على تكوين عبارات قصيرة، ومجموعة أخرى قادرة على التعبير عن نفسها بشكل أفضل. أظهرت النتائج أن الأطفال الذين نجحوا في اكتساب المهارات اللغوية سجلوا درجات أفضل في مقاييس التنمية المعرفية، كما تحسن تفاعلهم الاجتماعي ونفسيتهم بشكل ملحوظ.

بالإضافة إلى ذلك، لوحظ أن الأطفال الذين حققوا تقدماً في مهاراتهم اللفظية أظهروا قدرات حركية أفضل من أقرانهم. وأكد الباحثون على أهمية البدء المبكر للتدخل، حيث كانت النتائج أفضل كلما بدأ العلاج في سن أصغر.

فعالية التدخلات المبكرة في تطوير المهارات اللغوية

أظهرت الدراسة أن التدخلات المبكرة كانت فعالة للغاية في تنمية المهارات اللغوية للأطفال المصابين بالتوحد. في نهاية فترة التدخل، تمكن حوالي نصف الأطفال الذين كانوا ينطقون كلمات مفردة أو لا ينطقون أي كلمات في البداية من دمج الكلمات وتكوين جمل قصيرة بشكل صحيح. هذا التحسن في اللغة ساهم في تعزيز قدرتهم على التواصل والتفاعل مع الآخرين.

الأمر الجدير بالذكر أن مدة التدخل، وليست كثافته، كانت هي العامل الأكثر ارتباطاً بتحسين نتائج الأطفال. يشير هذا إلى أنه قد يكون من الأفضل تطبيق العلاج على المدى الطويل بساعات أقل أسبوعياً، بدلاً من تكثيف ساعات العلاج في فترة قصيرة. هذا النهج قد يتيح فرصاً أكبر لتعلم المهارات دون إرهاق الطفل.

من بين التدخلات المستخدمة في الدراسة “نموذج دنفر للبداية المبكرة” (Early Start Denver Model)، وهو برنامج شامل يهدف إلى تنمية مهارات الأطفال في مختلف المجالات، بما في ذلك اللغة، من خلال الأنشطة اللعبية الممتعة ودمج التعليم في روتين الحياة اليومي.

بالنسبة للأطفال الصغار المصابين بـاضطراب طيف التوحد، فإن دعم التواصل الاجتماعي، سواء من خلال اللغة المنطوقة أو غيرها من السلوكيات مثل تعابير الوجه والإيماءات، يعتبر أمراً بالغ الأهمية. العديد من البرامج التدخلية أظهرت تحسناً ملحوظاً في نتائج الاختبارات المعرفية وتقارير أولياء الأمور، مع التأكيد على أن كل طفل يتعلم بوتيرة مختلفة.

يؤكد الباحثون على أهمية تصميم برامج التدخل بشكل فردي، مع مراعاة احتياجات وقدرات كل طفل. قد يحتاج بعض الأطفال إلى برنامج قياسي لدعم اكتسابهم للغة المنطوقة، بينما قد يستفيد آخرون من برنامج أطول أو أكثر تركيزاً على مهارات التواصل الأساسية الأخرى.

كما وجد الباحثون أن الأطفال الذين يميلون إلى التقليد الحركي كانوا أكثر استعداداً لتعلُّم اللغة المنطوقة. لذلك، من المهم تشجيع هؤلاء الأطفال على المشاركة في الأنشطة التي تتطلب أداءً حركياً، حيث أن تقليد الآخرين يمكن أن يساعدهم في تقليد كلامهم واستخدام اللغة للتعبير عن أفكارهم.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث في هذا المجال بهدف تطوير تدخلات أكثر فعالية وملاءمة للأطفال المصابين بالتوحد. سيتم التركيز على تحديد العوامل التي تؤثر على استجابة الأطفال للتدخلات المختلفة، وتطوير استراتيجيات لتعزيز مهاراتهم اللغوية والتواصلية. من المهم أيضاً متابعة التطورات في مجال علاج التوحد وتقييم فعالية البرامج الجديدة.

شاركها.