تسيطر حالة من الحذر والترقب على سكان مدينة القامشلي، آخر معاقل الأكراد الرئيسية في سوريا، مع استمرار التوترات بين قوات الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على الرغم من التوصل إلى هدنة مؤقتة. يشعر السكان بالقلق إزاء مستقبلهم وحقوقهم في ظل الضغوط المتزايدة على “قوات سوريا الديمقراطية” للتخلي عن حكمها الذاتي في المنطقة، مع تذكر الأحداث المروعة التي شهدتها مناطق أخرى من سوريا.
وتشهد القامشلي، الواقعة في شمال شرق سوريا، دوريات ليلية تطوعية يقوم بها السكان المحليون، تعبيراً عن تصميمهم على حماية منطقتهم. بينما يركز المجتمع الدولي على تمديد وقف إطلاق النار، يراقب الأكراد عن كثب التطورات ويستعدون لسيناريوهات مختلفة، بما في ذلك استئناف القتال.
الوضع في القامشلي: مخاوف الأكراد من التطورات الأخيرة
تأتي هذه التطورات بعد سلسلة من التقدمات التي حققتها القوات الحكومية السورية في شمال وشرق البلاد، مما دفع “قوات سوريا الديمقراطية” إلى التمسك بالمناطق التي لا تزال تحت سيطرتها. تسعى الحكومة السورية لإعادة دمج هذه المناطق في الدولة السورية، وهو ما يثير قلق الأكراد الذين يخشون فقدان الحكم الذاتي الذي أقاموه خلال سنوات الحرب الأهلية.
أكد سكان القامشلي على استعدادهم للدفاع عن مناطقهم، معربين عن عدم ثقتهم في الوعود الحكومية المتعلقة بحماية حقوقهم. وبحسب شهادات متعددة، يتذكر الأكراد بمرارة أحداث العنف التي استهدفت الأقليات في مناطق أخرى من سوريا، مثل الطائفة العلوية في الساحل السوري والدروز في محافظة السويداء، وقد أثارت هذه الأحداث مخاوف عميقة لديهم.
تأثير وقف إطلاق النار
على الرغم من تمديد وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة 15 يوماً إضافياً، لا تزال الاشتباكات المتقطعة تحدث بين الجانبين. يعتبر هذا الهدوء هشاً ولا يوفر ضمانات كافية لتهدئة مخاوف السكان. وتشير التقارير إلى أن القوات الحكومية تواصل تعزيز مواقعها حول القامشلي وحسكة، مما يزيد من الضغط على “قوات سوريا الديمقراطية”.
وفي سياق منفصل، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” عن استعدادها للدخول في حوار جاد مع دمشق بهدف الوصول إلى اتفاق بشأن مستقبل المناطق الكردية. وأوضح القائد مظلوم عبدي في تصريح تلفزيوني أن قواته مستعدة لكل الاحتمالات، بما في ذلك الحرب والحلول السياسية، مؤكداً على أهمية ضمان حقوق الأكراد في الدولة السورية.
ردود الفعل الحكومية
أشار مسؤول حكومي سوري بارز إلى أن الحكومة تدرك مخاوف الأكراد، وأنها تعمل على معالجتها من خلال تقديم تنازلات وضمانات. وأوضح أن الحكومة تتعلم من الأخطاء التي ارتكبت في الماضي، وأنها ملتزمة بحماية حقوق جميع المكونات العرقية والدينية في سوريا. وبحسب المسؤول، فإن الحكومة تسعى إلى تحقيق اتفاق شامل يضمن الاستقرار والوحدة الوطنية.
وأضاف المسؤول أن الحكومة قد اتخذت إجراءات ضد بعض الجنود المتورطين في أعمال عنف في مناطق السويداء وغيرها، مؤكداً التزامها بسيادة القانون ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ومن جهتها، تعترف منظمة “هيومن رايتس ووتش” بوقوع انتهاكات من قبل كلا الطرفين، وتدعو إلى تحقيق مستقل في هذه الانتهاكات.
التحديات المستقبلية
يواجه مستقبل الأكراد في سوريا تحديات كبيرة، حيث لا يزال الاتفاق النهائي بشأن الحكم الذاتي أمراً غير مؤكد. يتطلب تحقيق الاستقرار في المنطقة حواراً صريحاً وشفافاً بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، مع ضمان مشاركة واسعة من المجتمع المدني والأهالي المحليين.
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى لعب دور الوساطة في هذا الحوار، مع التأكيد على أهمية حماية الأكراد وضمان حقوقهم. ومع ذلك، فإن مستقبل الدور الأمريكي في سوريا لا يزال غامضاً، مما يزيد من حالة عدم اليقين. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المفاوضات والمساعي الدبلوماسية، بهدف تجنب تصعيد العنف والوصول إلى حل سياسي مستدام.
ما يجب مراقبته في الفترة القادمة هو مدى التزام الحكومة السورية بتنفيذ الوعود التي قطعتها بشأن حماية حقوق الأكراد، وكيف ستتعامل مع مطالبهم المتعلقة بالحكم الذاتي. كما يجب متابعة تطورات وقف إطلاق النار، وما إذا كان سيتمكن من الصمود أمام الضغوط المتزايدة، أو سينهار ويفتح الباب أمام جولة جديدة من القتال.
