تزايد الحديث عن النرجسية في الآونة الأخيرة، خاصةً مع انتشار مقاطع الفيديو والنصائح على منصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك” التي تسعى لفك شفرة الشخصية النرجسية من خلال تحديد سلوكيات معينة مثل “العدوانية السلبية” أو الميل إلى خلق تبعية عاطفية لدى الآخرين. هذا الاهتمام المتزايد يثير تساؤلات حول فهمنا الحقيقي لهذا المفهوم، وما إذا كان قد أصبح مجرد مصطلح شامل لأي سلوك مزعج أو محبط.

ما هي النرجسية وكيف نميزها؟

لطالما ارتبطت النرجسية في الماضي بالسياقات السريرية والدراسات المتخصصة، ولكنها اليوم أصبحت جزءًا من الخطاب العام. يصف الخبراء النرجسية بأنها سمة شخصية تتراوح في شدتها بين الأفراد، حيث يمتلك كل شخص درجة معينة منها. التمييز يكمن في أن الأفراد الذين يظهرون هذه السمات بشكل مفرط قد يكونون أنانيين ومتكبرين، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب الشخصية النرجسية.

اضطراب الشخصية النرجسية: تشخيص دقيق

يختلف اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) عن مجرد وجود سمات نرجسية. يتطلب تشخيص هذا الاضطراب معايير محددة، بما في ذلك الحاجة الماسة للإعجاب، والشعور المبالغ فيه بالأهمية الذاتية، وغياب التعاطف مع الآخرين. هذه السمات يجب أن تكون مستمرة وتؤثر سلبًا على حياة الشخص وعلاقاته، سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، وفقًا لما ذكره متخصصون في الصحة النفسية.

غالبًا ما يوصف الشخص النرجسي بأنه جذاب وساحر في البداية، ولكنه في الوقت نفسه يظهر برودة عاطفية. هذا التناقض يجعل التعامل معه صعبًا، حيث قد يبدو ودودًا ومحبوبًا في لحظة، ثم يتحول إلى شخص متلاعب وغير مبالٍ في اللحظة التالية.

خرافات شائعة حول النرجسية

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالنرجسية. أحد هذه المفاهيم هو الاعتقاد بأن النرجسيين الأكثر ضررًا هم بالضرورة من يعانون من اضطراب نفسي. في الواقع، يمكن للأفراد الذين لا يستوفون معايير الاضطراب أن يتسببوا في أذى كبير للآخرين. اضطراب الشخصية النرجسية نادر نسبيًا، حيث يقدر انتشاره بين 1% و 2% من البالغين في الولايات المتحدة.

من الخرافات الأخرى أن جميع النرجسيين متشابهون. أظهرت الأبحاث وجود أنواع مختلفة من النرجسيين، بما في ذلك النرجسية الفاعلة، والنرجسية العصابية، والنرجسية العدائية. كل نوع يتميز بمجموعة فريدة من السلوكيات والخصائص. على سبيل المثال، النرجسية الفاعلة تتميز بالثقة بالنفس والطموح، بينما النرجسية العصابية تتميز بالحساسية المفرطة للنقد والشعور بالخجل.

التعاطف والنرجسية: علاقة معقدة

الاعتقاد بأن جميع النرجسيين يفتقرون إلى التعاطف هو أيضًا مفهوم خاطئ. قد يكون النرجسي قادرًا على إظهار التعاطف بشكل سطحي، خاصةً عندما يحتاج إلى شيء ما أو عندما يريد أن يبدو جيدًا أمام الآخرين. ومع ذلك، فإن هذا التعاطف غالبًا ما يكون أنانيًا وغير حقيقي. قد يفهم النرجسي مشاعر الآخرين، لكنه لا يهتم بها حقًا.

كما أن فكرة أن النرجسيين لا يدركون نرجسيتهم غير دقيقة. تشير الدراسات إلى أنهم غالبًا ما يكونون على دراية بالجوانب السلبية في شخصياتهم، لكنهم لا يعتبرونها مشكلة. بل قد يرونها جزءًا من هويتهم أو حتى ميزة.

هل يمكن تغيير الشخصية النرجسية؟

النرجسية ليست سمة ثابتة تمامًا. قد تتغير بمرور الوقت، خاصةً مع التقدم في العمر. تشير الأبحاث إلى أن التعاطف يميل إلى الزيادة مع التقدم في السن، مما قد يؤدي إلى تقليل النزعات النرجسية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأفراد أن يقللوا من نرجسيتهم من خلال التركيز على احتياجات الآخرين والتأمل في قيمهم.

ومع ذلك، فإن تغيير الشخصية النرجسية يتطلب جهدًا كبيرًا ورغبة حقيقية في التغيير. قد يحتاج النرجسي إلى طلب المساعدة من معالج نفسي متخصص. غالبًا ما يواجه النرجسيون صعوبة في الاعتراف بأنهم بحاجة إلى مساعدة، وقد يقاومون العلاج. لكن العلاج يمكن أن يساعدهم على تطوير مهارات اجتماعية أفضل، وتعزيز التعاطف، والتعامل مع مشاعرهم بشكل صحي.

العوامل المؤثرة في تطور النرجسية

هناك جدل حول العوامل التي تساهم في تطور النرجسية. في الماضي، كان يُعتقد أن النرجسية تنشأ بسبب نقص الحب والتقدير من الوالدين في مرحلة الطفولة. ومع ذلك، تشير الأدلة الحديثة إلى عكس ذلك. يبدو أن الوالدين الذين يبالغون في تقدير أطفالهم ويعتبرونهم مميزين بشكل خاص هم أكثر عرضة لتربية أطفال يظهرون سمات نرجسية.

بالإضافة إلى ذلك، قد تلعب العوامل الوراثية دورًا في تطور النرجسية. تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين لديهم آباء نرجسيون هم أكثر عرضة لامتلاك سمات نرجسية بارزة. ومع ذلك، فإن هذه العوامل ليست حتمية، ويمكن للتجارب الاجتماعية والبيئية الأخرى أن تؤثر أيضًا على تطور النرجسية.

في الختام، فهم النرجسية يتطلب النظر إليها كطيف من السلوكيات، وليس مجرد تشخيص ثابت. مع استمرار الأبحاث في هذا المجال، من المتوقع أن تظهر المزيد من الأفكار حول أسباب النرجسية وكيفية التعامل معها. من المهم مراقبة التطورات في الدراسات النفسية والاجتماعية لفهم أفضل لهذه الشخصية المعقدة وتأثيرها على العلاقات والمجتمع.

شاركها.