يُعد البيض من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية الأساسية، بما في ذلك البروتين والدهون الصحية، ويحظى بشعبية كبيرة في وجبة الإفطار. وقد كشفت دراسة حديثة عن أن الكولين، وهو عنصر غذائي يتواجد بوفرة في صفار البيض، قد يلعب دورًا هامًا في إبطاء شيخوخة الدماغ وتعزيز الصحة العامة على المدى الطويل. وتثير هذه النتائج تساؤلات حول العلاقة بين النظام الغذائي، ووظائف الدماغ، والوقاية من الأمراض التنكسية العصبية.
الكولين وصحة الدماغ: ما الذي تكشفه الأبحاث؟
أظهرت دراسة حديثة، نُشرت في مجلة “Aging and Disease”، أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة يميلون إلى امتلاك مستويات أقل من الكولين في الدم مقارنةً بالأفراد ذوي الوزن الصحي. ويرتبط انخفاض مستويات الكولين بضعف مقاومة الإنسولين، وزيادة الالتهابات، واضطرابات وظائف الكبد، وهي عوامل خطر معروفة لمرض الزهايمر.
وأشارت الدكتورة جيسيكا إم. جد، الباحثة المشاركة في الدراسة، إلى أن المشاركين الذين يعانون من السمنة أظهروا أيضًا تغيرات في مؤشر حيوي يُعرف بسلسلة النيوروفيلامنت الخفيفة (NfL)، والذي يعتبر علامة على تلف الخلايا العصبية. ووفقًا للدكتورة جد، لوحظت مستويات أعلى من هذا المؤشر بالتزامن مع مستويات أقل من الكولين، وذلك قبل سنوات عديدة من التشخيص المعتاد لأمراض مثل الزهايمر.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن تحسين مستويات الكولين المنخفضة قد يساعد في معالجة عامل خطر مبكر وقابل للتعديل يتعلق بالأمراض الأيضية وأمراض الدماغ. ومع ذلك، تؤكد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لتأكيد هذه العلاقة بشكل قاطع.
تأثير السمنة على مستويات الكولين
ركزت الدراسة على البالغين الذين يعانون من السمنة، لكن الجمع بين انخفاض الكولين وارتفاع مستويات NfL يذكر بالأنماط التي تظهر لدى كبار السن المصابين بضعف إدراكي، وفقًا لخبيرة التغذية الدكتورة دارا فورد. وتضيف الدكتورة فورد أن هذا يشير إلى أن “الضغط الأيضي، في وقت مبكر من الحياة، قد يؤثر سلبًا على الدماغ في مراحل لاحقة”.
ومع ذلك، حذرت الدكتورة فورد من أن العديد من التفاصيل لا تزال غير واضحة. فالدراسة كانت صغيرة الحجم، وتعتمد على بيانات مقطعية، ولا تمثل التركيبة السكانية بشكل كامل، مما يجعل من الصعب استخلاص استنتاجات قاطعة حول العلاقة السببية بين الكولين والزهايمر. كما لم تأخذ الدراسة في الاعتبار النظام الغذائي للمشاركين أو عوامل نمط الحياة الأخرى التي قد تكون أثرت في النتائج.
أهمية تضمين الكولين في النظام الغذائي
على الرغم من الحاجة إلى مزيد من الأدلة لتأكيد وجود صلة حاسمة بين الكولين ومرض الزهايمر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن حوالي 90٪ من الأمريكيين لا يحصلون على الكمية اليومية الموصى بها من الكولين. وتشير الدكتورة جد إلى أن نقص الكولين يظهر بشكل أكثر وضوحًا لدى النساء، مع وجود اتجاهات مماثلة في مناطق أخرى من العالم.
لذلك، تشدد كل من الدكتورة جد والدكتورة فورد على أهمية التأكد من الحصول على كمية كافية من الكولين من خلال النظام الغذائي. وتوضح الدكتورة فورد أن الكولين يلعب دورًا حيويًا في استقلاب الدهون ونقلها، وفي تصنيع النواقل العصبية، بالإضافة إلى مساهمته في وظائف الدماغ وصحة القلب والكبد. وتقترح أن “السعي لزيادة استهلاك الكولين من خلال نظام غذائي متوازن ومتنوع يعتمد على الأطعمة الكاملة قد يكون مفيدًا”.
مصادر الكولين الغذائية
توصي الإرشادات الغذائية الأمريكية بتناول 425 ملليغرامًا من الكولين يوميًا للنساء، و550 ملليغرامًا يوميًا للرجال. وتزيد هذه الكمية الموصى بها إلى 450 ملليغرامًا يوميًا أثناء الحمل، وإلى 550 ملليغرامًا يوميًا خلال فترة الرضاعة.
على الرغم من أن صفار البيض يعتبر أغنى مصدر للكولين، إلا أن هناك مصادر غذائية أخرى تحتوي أيضًا على هذا العنصر المهم، مثل الكبد، والخضروات الصليبية (البروكلي، والقرنبيط، والملفوف، والكرنب بروكسل)، والفاصوليا، والفول السوداني، واللحوم، والدواجن، والأسماك، ومنتجات الألبان، وحتى المكرونة.
وتختتم الدكتورة فورد بالقول: “نحن ننتج بعض الكولين في الجسم، ولكن ليس بكمية كافية لتلبية الاحتياجات. الكولين ليس علاجًا سحريًا، ولكن ضمان نظام غذائي متوازن وغني بالأطعمة الكاملة يمكن أن يزيد من تناوله، وبالتأكيد يحسن النتائج الصحية”.
من المتوقع أن تستمر الأبحاث في استكشاف العلاقة المعقدة بين الكولين، والصحة الأيضية، ووظائف الدماغ. وستركز الدراسات المستقبلية على تحديد الآليات البيولوجية التي تربط بين نقص الكولين وزيادة خطر الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية، وتقييم فعالية التدخلات الغذائية التي تهدف إلى تحسين مستويات الكولين في الجسم. من المهم متابعة هذه التطورات العلمية لفهم أفضل لكيفية الحفاظ على صحة الدماغ على المدى الطويل.
