يواجه لبنان ضغوطًا أمريكية متزايدة لتغيير الآلية المعمول بها لمراقبة وقف إطلاق النار في الجنوب، مع إصرار واشنطن على تشكيل لجنة ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل اتفاق “1701” ودور فرنسا وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وتأتي هذه التطورات في ظل تعثر تطبيق الاتفاق الذي يهدف إلى استقرار المنطقة الحدودية، واقتصاره حتى الآن على الانتشار العسكري اللبناني في جنوب الليطاني.

وتشير مصادر وزارية إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إخراج فرنسا واليونيفيل من المعادلة السياسية والأمنية في الجنوب، معتبرة أن وجودهما يعيق تفعيل الآلية القائمة. ووفقًا لهذه المصادر، فإن واشنطن ترى أن اللجنة الثلاثية المقترحة ستكون أكثر فعالية في تحقيق الاستقرار ومنع التصعيد، من خلال الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية.

الولايات المتحدة تتمسك بتغيير “الميكانيزم”

أكدت مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية أبدت تمسكًا شديدًا بتحويل “الميكانيزم” الحالي، وهو تنسيق بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، إلى لجنة ثلاثية. وقد تم نقل هذا الموقف إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة – رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة – من قبل السفير الأمريكي في لبنان، ميشال عيسى.

ويرى مسؤولون لبنانيون أن هذا التحول قد يضعف الدور الرقابي لليونيفيل، التي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من تطبيق القرار 1701. كما يثيرون مخاوف بشأن إمكانية استغلال إسرائيل لهذا التغيير لفرض شروطها على لبنان في أي مفاوضات مستقبلية.

اجتماع طارئ للرؤساء الثلاثة

من المتوقع أن يعقد الرؤساء اللبنانيون الثلاثة اجتماعًا طارئًا قريبًا لمناقشة الموقف الأمريكي الجديد، وذلك بعد عودة رئيس الحكومة من الخارج. وستركز المناقشات على تحديد موقف موحد تجاه هذا الطرح، وتقييم المخاطر والفرص المحتملة.

وتشير التسريبات إلى أن هناك تباينًا في وجهات النظر بين الرؤساء الثلاثة حول كيفية التعامل مع الموقف الأمريكي. بينما يرى البعض أن التمسك بالاتفاق الحالي هو الخيار الأفضل، يرى آخرون أن الانخراط في حوار مع إسرائيل برعاية أمريكية قد يكون ضروريًا لتحقيق الاستقرار.

انتقادات أمريكية لليونيفيل

كشفت مصادر دبلوماسية عن انتقادات حادة وجهتها الولايات المتحدة لليونيفيل، واتهمت بعض وحداتها بالتواطؤ مع حزب الله وتلقي رشاوى. وقالت المصادر إن واشنطن كانت على حق عندما قررت خفض مساهمتها المالية في ميزانية اليونيفيل، وتضغط لإنهاء مهمتها في عام 2027.

وتأتي هذه الانتقادات في سياق تزايد الضغوط الأمريكية على لبنان للحد من نفوذ حزب الله، وإلزامها بتطبيق حصرية السلاح على الدولة. وتعتبر واشنطن أن حزب الله هو المسؤول عن زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأنه يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي.

بالإضافة إلى ذلك، أعربت مصادر أمريكية عن استيائها من الدور الذي تلعبه فرنسا في لبنان، وانتقدت الزيارات المتكررة لمبعوث الرئيس الفرنسي، جان إيف لودريان. وترى واشنطن أن باريس تسعى إلى تثبيت حضورها في لبنان، وأن دورها لا يحقق النتائج المرجوة.

وتشير بعض التحليلات إلى أن الخلاف بين واشنطن وباريس يعكس تنافسًا على النفوذ في لبنان، وأن كل منهما تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة في هذا البلد. ويعتبر لبنان ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ فيه.

مستقبل اتفاق وقف الأعمال العدائية

يثير إصرار واشنطن على تغيير “الميكانيزم” تساؤلات حول مستقبل اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية-فرنسية. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التغيير إلى تقويض الاتفاق، وزيادة خطر التصعيد في المنطقة.

ويرى البعض أن واشنطن تستخدم قضية “الميكانيزم” كورقة ضغط على لبنان، لإجباره على التجاوب مع مطالبها بشأن حصرية السلاح. ويقولون إن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية في المنطقة، من خلال إضعاف نفوذ حزب الله وتعزيز دور إسرائيل.

من جهة أخرى، يرى آخرون أن واشنطن تسعى حقًا إلى تفعيل الآلية القائمة، وتحقيق الاستقرار في الجنوب. ويقولون إن الإدارة الأمريكية تعتقد أن اللجنة الثلاثية المقترحة ستكون أكثر فعالية في تحقيق هذا الهدف.

في الختام، من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تطورات حاسمة في هذا الملف، مع استمرار الضغوط الأمريكية على لبنان. وسيكون من المهم مراقبة رد فعل الرؤساء اللبنانيين الثلاثة، وموقف فرنسا، وتطورات الوضع على الجبهة الجنوبية. يبقى مستقبل اتفاق “1701” معلقًا على هذه التطورات، مع احتمال حدوث تغييرات كبيرة في الآلية المعمول بها لمراقبة وقف إطلاق النار.

شاركها.