في خضم التحديات الاقتصادية العالمية، برزت المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي الجديد من خلال نموذج فريد في “هندسة الأثر” الاقتصادي، وهو ما أكده مسؤولون ووزراء سعوديون خلال مشاركتهم في فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. لم يقتصر الأمر على استعراض الرؤية الاقتصادية الطموحة للمملكة، بل قدمت الرياض حلولاً عملية لمواجهة حالة “عدم اليقين” التي تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي، مع التركيز على الاستقرار المالي والنمو المستدام كركيزة أساسية لجذب الاستثمارات العالمية.

وشهد المنتدى جلسات حوارية مهمة بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، بالإضافة إلى مشاركات لوزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبد الله السواحة، حيث تم رسم خريطة طريق لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي ترتكز على “الذكاء التشغيلي” و”الاستدامة المالية”.

الجدعان و«ضريبة الغموض» في الاقتصاد السعودي

أكد وزير المالية محمد الجدعان أن أكبر تحد يواجه المستثمرين على مستوى العالم هو ما أسماه بـ “ضريبة الغموض”، مشيراً إلى أن المملكة تسعى إلى تجاوز صياغة التشريعات والتركيز على استئصال هذا الغموض الذي يعيق الاستثمار ويؤدي إلى تباطؤ النمو. وأوضح أن المالية العامة تمثل الأساس المتين للاقتصاد، وأن المملكة لن تتنازل عن استدامتها المالية من أجل تحقيق نمو سريع وغير مستقر.

وأضاف الجدعان أن إبطاء وتيرة بعض المشاريع ليس بالضرورة تراجعاً، بل هو إجراء وقائي يهدف إلى منع “سخونة الاقتصاد” وضمان قدرة القطاع الخاص على التكيف والمساهمة في عملية التنمية. وشدد على أهمية تحويل فلسفة الإصلاح إلى سلوك مؤسسي راسخ يتجاوز الأرقام والمستهدفات الكمية.

البيئة الاستثمارية والقطاع الخاص

وأشار الجدعان إلى أن الشركات بحاجة إلى بيئة استثمارية واضحة ومستقرة لكي تتمكن من تحديد أسعارها وتقييم المخاطر بشكل دقيق. وأكد أن المملكة تعمل على بناء “مرونة” في اقتصادها الوطني ومنح القطاع الخاص الأدوات اللازمة للنجاح، وعلى رأسها “القدرة على التنبؤ” بالسياسات والإجراءات الحكومية. هذا الوضوح يعزز الثقة ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة.

وفي سياق تعزيز دور القطاع الخاص، أكد الجدعان أن الاستقرار في عملية صنع القرار ووضوح المسارات التنظيمية يمثلان التزاماً سعودياً تجاه المستثمرين، بهدف ضمان عوائد استثمارية متسقة ومجزية تتناسب مع حجم المخاطر التي يتحملونها.

التحول الاقتصادي وتوظيف رأس المال

من جانبه، أوضح وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم أن الاقتصاد السعودي قد انتقل إلى مرحلة “توظيف أمثل لرأس المال”، وأن المنظومة الاقتصادية تمتلك الآن “ذكاءً تشغيلياً” يمكّنها من تحديد التوقيت المناسب لتسريع النمو أو ضبط الإيقاع. وأشار إلى أن الإنفاق الحكومي أصبح “إنفاقاً استراتيجياً” موجهاً إلى القطاعات ذات القيمة المضافة العالية والعوائد الاقتصادية المستدامة.

وأكد الإبراهيم أن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو ما يمثل تحولاً هيكلياً كبيراً في الاقتصاد السعودي. وبين أن هذا النمو التدريجي في الأنشطة غير النفطية يبلغ حوالي 5% سنوياً، مع توقعات باستمرار هذا النمو خلال السنوات الثلاث المقبلة بوتيرة تتراوح بين 4.5% و 5.5%.

الإصلاحات الهيكلية والتكنولوجيا المتقدمة

وأوضح الإبراهيم أن الإصلاحات الهيكلية التي نفذتها المملكة ساهمت في نمو الصادرات غير النفطية وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، بالإضافة إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض. وأشار إلى أن مجالات مثل الطاقة (بما في ذلك التحول الطاقي)، والرعاية الصحية، وتقنيات الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو الاقتصادي.

وفي سياق متصل، أكد وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف على وجود “علاقة تكافلية” بين التكنولوجيا والتعدين، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يقود الطلب على المعادن، بينما توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين إمدادات هذه المعادن. كما أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبد الله السواحة على طموحات المملكة في قيادة عصر الذكاء الاصطناعي والمساهمة في إضافة قيمة اقتصادية عالمية.

تحديات عالمية وفرص سعودية

من جهته، حذر رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا من “قنبلة موقوتة” تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، مشيراً إلى أن هناك فجوة كبيرة بين عدد الشباب الذين يدخلون سوق العمل والوظائف المتاحة. وأكد أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيؤدي إلى عدم الاستقرار العالمي.

في المقابل، أشاد بانغا بمرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على الصمود، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو جيدة بفضل الاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة. وأكد أن الاستقرار في المملكة العربية السعودية يمثل قيمة نادرة وفرصة تنافسية في ظل حالة التجزؤ التي يشهدها العالم.

في الختام، تشير التوقعات إلى استمرار المملكة العربية السعودية في دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، مع التركيز على الاستدامة المالية والنمو المستدام. ومن المتوقع أن تعلن الحكومة السعودية عن المزيد من الإصلاحات الهيكلية خلال الأشهر القادمة بهدف تعزيز جاذبية الاستثمار وتنويع مصادر الدخل. يبقى التحدي الأكبر هو معالجة قضايا سوق العمل وضمان توفير فرص عمل كافية للشباب السعودي.

شاركها.