بأسلوب فريد ومبتكر، كسرت الفنانة التشكيلية هبة الخطيب بدر الدين التقاليد المألوفة في عالم المعارض الفنية من خلال معرضها الجديد “كما نحن موجودون”. بدلاً من عرض اللوحات بشكل ثابت على الجدران، اختارت الفنانة تقديم أعمالها بطريقة أدائية حية، حيث تجولت فتيات يحملن اللوحات في أرجاء المركز الفني “ريبيرث بيروت” في الجميزة، أمام جمهور متلقٍّ ومندهش. هذا النهج غير التقليدي يهدف إلى إثارة التأمل وإجبار المشاهد على التوقف والانخراط مع العمل الفني.

يأتي هذا المعرض في سياق اهتمام متزايد بالفن المعاصر والتجارب الفنية التي تتجاوز المألوف. وتسعى الفنانة هبة الخطيب بدر الدين إلى تقديم رؤية جديدة حول كيفية تفاعل الجمهور مع الفن، وتقديم أعمالها بطريقة أكثر حيوية وتأثيراً. وقد لاقت هذه الطريقة استحساناً كبيراً من رواد المعرض والنقاد الفنيين.

فكرة المعرض: “كما نحن موجودون” وتحدي المفاهيم التقليدية

تؤكد الفنانة أن الدافع وراء هذا الأسلوب يكمن في رغبتها بكسر الجمود الذي يغلب معظم معارض الفنون التشكيلية. ففي كثير من الأحيان، يمر الزائر بسرعة أمام اللوحات، ويلتقط صورة وينصرف دون إعطاء العمل الفني حقه من التأمل. من خلال تحريك اللوحات وإضفاء الحياة عليها، تسعى الخطيب إلى فرض لحظة توقف وإجبار العين على التفاعل مع العمل الفني بشكل أعمق.

وتضيف: “ربما يتحول هذا الأسلوب إلى ظاهرة رائجة في المستقبل. لا يهمّني أن أكون الأولى، بقدر ما يهمّني كسر الحواجز وتقديم شيء جديد ومختلف”. وترى أن الأشياء الساكنة لا تلفت الانتباه، وأن إضفاء الحركة والنبض على الأعمال الفنية يجعلها أكثر جاذبية وتأثيراً.

تقنيات فنية متنوعة ومواد يومية

تعتمد الفنانة في أعمالها على تقنيتي فنّ القصّ واللصق والوسائط المتعدّدة، وتعتبرهما لغة تعبير شخصية لا تخضع لقواعد صارمة. تستخدم الخطيب مواد يومية بسيطة، مثل ساعات اليد، والذاكرة الإلكترونية، وشرائط الكهرباء، وقصاصات المجلات والصحف، لتحويلها إلى رموز فنية تعبر عن أفكارها ومشاعرها.

وتشرح الفنانة أن هذه المواد اليومية تساعدها في التعبير عن الحياة بكل ما فيها من تفاصيل وتعقيدات. فهي تحول الأوراق إلى أسطح ووجوه ونوتات موسيقية، مما يضفي على أعمالها طابعاً اجتماعياً ونفسياً عميقاً. كما أن استخدام هذه المواد يساهم في جعل الفن أكثر قرباً من الجمهور، وأكثر ارتباطاً بحياتهم اليومية.

رسائل فنية عميقة في أعمال “كما نحن موجودون”

تحمل أعمال الفنانة رسائل عميقة تتناول قضايا إنسانية واجتماعية متنوعة. ففي لوحة “الوعي واللاوعي”، تصور الخطيب وجهين متقابلين يعبر كل منهما عن جانب مختلف من الشخصية الإنسانية، مع وجود خط أحمر سميك يربط بينهما، يرمز إلى الصراع الدائم بين ما نُظهره وما نُخفيه.

وفي لوحة أخرى بعنوان “حفل الأقنعة”، تنتقد الفنانة ظاهرة النفاق والرياء التي تسود المجتمعات الحديثة. تصور الخطيب وجوهاً ترتدي أقنعة مختلفة، تعكس فقدان الهوية والانتماء. وتشير إلى أن الناس باتوا يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، وأن العنف أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا.

كما تتطرق الفنانة إلى قضايا بيئية في أعمالها، مثل لوحة “بلا ولا شي”، التي تصور الكرة الأرضية وهي تتفتت، في إشارة إلى التدمير البيئي الذي يسببه الإنسان. وتدعو إلى ضرورة الحفاظ على البيئة، وإلى تغيير نمط حياتنا الاستهلاكي.

تستمر الفنانة في استكشاف مواضيع مثل المدينة والطبيعة، والاستهلاك والفقد، وهاجس الوقت، من خلال أعمالها الفنية. وتستخدم الساعة الرملية كرمز للتعبير عن قلقها بشأن مرور الوقت، وعن ضغوط الحياة التي تلاحقنا باستمرار. وتدعو إلى العودة إلى الكتاب، وإلى الابتعاد عن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.

من المتوقع أن يستمر معرض “كما نحن موجودون” في جذب الزوار والمهتمين بالفن المعاصر خلال الأيام القادمة. وستستمر الفنانة في تقديم أعمالها بطريقة مبتكرة ومختلفة، بهدف إثارة التفكير والتأمل لدى الجمهور. ويترقب النقاد الفنيون ردود الفعل على هذا المعرض، وما إذا كان سيشكل نقطة تحول في عالم الفن التشكيلي.

شاركها.