في خضم التساؤلات العالمية حول العائد الفعلي للاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة أرامكو السعودية، خلال فعاليات منتدى دافوس 2026، عن تحقيق إيرادات تقنية ملموسة بلغت 6 مليارات دولار خلال العامين الماضيين، مع نسبة كبيرة منها ناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا الإعلان يمثل تحولاً هاماً في استراتيجية الشركة نحو تبني التكنولوجيا المتقدمة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
أكد أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو، أن هذه النتائج تعكس قفزة نوعية في كفاءة العمليات التشغيلية للشركة، حيث تجاوزت الإيرادات التقنية مستويات السنوات السابقة التي كانت تقتصر على حوالي 300 مليون دولار. وتشير التوقعات إلى إضافة ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار أخرى مع إعلان نتائج عام 2025، مما يعزز مكانة أرامكو كشركة رائدة في مجال تسييل البيانات وتحويلها إلى أرباح.
أرامكو والمليارات من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
لم تعد أرامكو تقتصر على الاستثمار في البنية التحتية التقنية، بل بدأت في جني ثمار هذه الاستثمارات من خلال تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي. وقد طورت الشركة حتى الآن 500 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي، تم تطبيق 100 منها فعلياً، وذلك بفضل نموذج تشغيلي رقمي متكامل يربط بين الخبرات الفنية والقدرات التقنية. هذا النموذج يتيح تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق، مما يساهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية وتحقيق عوائد مالية مجدية.
ثورة في قطاع التنقيب والإنتاج
أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في قطاع التنقيب والإنتاج في أرامكو، من خلال ما يعرف بـ “نموذج الأرض الذكي”. وقد ساهم هذا النموذج في زيادة إنتاجية بعض الآبار بنسبة تصل إلى 40%، بالإضافة إلى رفع دقة تحديد المناطق الإنتاجية إلى أكثر من 90%. هذه التحسينات لا تقتصر على زيادة الأرباح فحسب، بل تمتد لتشمل خفض الانبعاثات وتعزيز الموثوقية التشغيلية.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل أرامكو على تسويق ابتكاراتها التقنية، بالتعاون مع كبار مزودي خدمات الحوسبة السحابية العالميين. يهدف هذا التعاون إلى نقل هذه التقنيات إلى خارج حدود الشركة وطرحها تجارياً، مما يساهم في توسيع أثر الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة العالمي.
السعودية تقود التحول التقني
يرى نعيم يزبك، رئيس مايكروسوفت لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، أن السعودية قد انتقلت من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي، وأنها تقف اليوم في مقدمة مشهد تقني يشهد “لحظة تحول تاريخية”. ويعزو هذا التحول إلى البنية السحابية السيادية والذكاء الاصطناعي وقدرات الابتكار الوطني.
وتعتبر جودة البيانات وبناء المواهب من أهم عوامل نجاح أرامكو في هذا المجال، وفقاً لتصريحات أمين الناصر. تمتلك الشركة حالياً فريقاً تقنياً يضم 6 آلاف موهبة مدربة خصيصاً على الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد أهمية الخبرة البشرية في إدارة هذه الثورة التقنية. هذا الاستثمار في الكفاءات البشرية يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية أرامكو لتحقيق الريادة في مجال التكنولوجيا المتقدمة.
ميزة تنافسية عالمية
تتفق تجربة أرامكو مع تقرير بلاك روك للتوقعات العالمية لعام 2026، الذي يضع المملكة في مقدمة الدول القادرة على قيادة البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي. بفضل ميزتها التنافسية في انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية، تستعد المملكة لتشغيل مراكز بيانات عملاقة، مما يجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات التقنية كثيفة الاستهلاك للطاقة. هذا التوجه يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي وعالمي للابتكار والتقنية.
وتشير التوقعات إلى أن الاستثمار في التحول الرقمي سيستمر في النمو خلال السنوات القادمة، مما سيساهم في تعزيز مكانة أرامكو كشركة رائدة في قطاع الطاقة العالمي. ومن المتوقع أن تستمر الشركة في تطوير تطبيقات جديدة للذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق التعاون مع الشركاء العالميين، بهدف تحقيق المزيد من الكفاءة والابتكار.
في الختام، من المتوقع أن تعلن أرامكو عن المزيد من النتائج الإيجابية في مجال الذكاء الاصطناعي مع إعلان نتائجها المالية لعام 2025. وستظل الشركة تحت الأضواء كمثال ناجح لتحويل الاستثمارات التقنية إلى قيمة اقتصادية ملموسة. يبقى التحدي في الحفاظ على هذا الزخم وتوسيع نطاق التطبيقات لتشمل المزيد من جوانب العمليات التشغيلية، مع مراقبة التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي وتكييف الاستراتيجيات وفقاً لذلك.
