أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إحياء النقاش حول مستقبل العمل والأتمتة. فمن تطوير البرمجيات إلى إنشاء المحتوى، تُظهر أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرات متزايدة. ومع ذلك، تظهر دراسة جديدة أن هناك فجوة كبيرة بين هذه القدرات النظرية والقدرة الفعلية على إنجاز مشاريع عمل عن بعد ذات قيمة اقتصادية حقيقية، مما يثير تساؤلات حول مدى قرب الذكاء الاصطناعي من استبدال الوظائف البشرية.
تسعى الدراسة، التي نُشرت في منتصف يناير 2026، إلى تقييم قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة العمل عن بعد من خلال إطار قياس جديد يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد». يمثل هذا المؤشر أول معيار تجريبي مصمم لقياس قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على إكمال مشاريع عمل حقيقية مأخوذة من أسواق العمل الحر، وتقديم تقييم واقعي لقدرات هذه الأنظمة.
ما وراء المعايير الاصطناعية للذكاء الاصطناعي
تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي التقليدية على مهام محددة ومعزولة، مثل كتابة أجزاء من التعليمات البرمجية أو الإجابة على أسئلة تقنية. على الرغم من أهمية هذه الاختبارات، إلا أنها غالبًا ما تفشل في عكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي. تتطلب المشاريع الواقعية مهارات متعددة وقدرة على التكيف مع المتطلبات المتغيرة.
من هنا، جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد» لتقييم قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تمامًا كما يفعل المحترفون البشريون. تشمل هذه المشاريع مجالات متنوعة مثل التصميم، والهندسة المعمارية، وإنتاج الفيديو، وتحليل البيانات، وتطوير الألعاب، وإعداد الوثائق، وغيرها من أشكال العمل عن بعد الشائعة.
كيف يعمل مؤشر العمل عن بُعد؟
تعتمد الدراسة على قاعدة بيانات تتكون من 240 مشروع عمل حر مكتمل، حيث يشتمل كل مشروع على وصف تفصيلي للمهمة، والملفات المدخلة اللازمة، والمخرجات النهائية التي أنجزها محترفون بشريون. لم يقتصر التقييم على المخرجات النهائية فحسب، بل شمل أيضًا الوقت والتكلفة اللازمين لإكمال كل مشروع.
في المتوسط، استغرق إنجاز المشروع الواحد حوالي 29 ساعة من العمل البشري، مع تجاوز بعض المشاريع 100 ساعة. تراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، مما يعكس التنوع الكبير في سوق العمل الحر.
تم اختبار عدة نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة. حصلت الأنظمة على نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون البشريون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على مدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل.
نتائج الدراسة: حدود الذكاء الاصطناعي في العمل عن بعد
على الرغم من التقدم الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، كشفت النتائج أن الأنظمة الحالية لا تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بعد على نطاق واسع. بلغ أعلى معدل أتمتة تم تحقيقه 2.5 في المائة فقط، مما يعني أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة تم إنجازها بنجاح بمستوى احترافي مقبول.
تتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسينات في المعايير التقنية تؤدي تلقائيًا إلى القدرة على استبدال العمل البشري. حتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة التعليمات البرمجية أو توليد الصور والنصوص غالبًا ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة أو الالتزام بتفاصيل معقدة.
أظهر التحليل النوعي أن الأخطاء التقنية الأساسية، مثل الملفات التالفة أو غير المتوافقة، كانت من بين الأسباب الرئيسية لفشل الذكاء الاصطناعي. في حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكليًا ولكنها لم ترق إلى المستوى المهني المتوقع.
مجالات نجاح محدودة
ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل في بعض المجالات المحدودة، لا سيما في المهام التي تركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت. تشمل هذه المهام التحرير الصوتي، والتصميم البصري البسيط، وكتابة التقارير، وتصور البيانات المعتمد على التعليمات البرمجية.
تشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دورًا داعمًا في بعض أنواع العمل، ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة. من المرجح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي هو تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، وليس استبدال الوظائف بالكامل.
مستقبل الذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد
تُظهر نتائج الدراسة أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بعد ليس وشيكًا في الوقت الحالي. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن الذكاء الاصطناعي يتطور باستمرار، وقد تؤدي التطورات المستقبلية إلى تغيير هذه الصورة.
من المتوقع أن يستمر الباحثون في تحديث «مؤشر العمل عن بُعد» بانتظام ليعكس أحدث التطورات في تقنيات الذكاء الاصطناعي. سيسمح ذلك بتتبع التقدم المحرز وتقييم الآثار المحتملة على سوق العمل بشكل أكثر دقة. من الضروري مراقبة هذه التطورات عن كثب والاستعداد للتغييرات التي قد تحدث في المستقبل.
