كشفت مصادر مطلعة في حركة حماس في قطاع غزة عن استعداد قيادات في الحركة للخروج من القطاع “بشكل آمن” بالتزامن مع بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة الأسبوع الماضي. تأتي هذه التحركات في إطار ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع، وسط تباين في الآراء داخل الحركة حول هذه الخطوة. وتثير هذه الأنباء تساؤلات حول مستقبل قيادة حماس في غزة، واحتمالية عودتهم إلى القطاع في المستقبل.
أفادت ثلاثة مصادر من مستويات ميدانية وقيادية في حماس، جميعهم مقيمون في غزة، بأن بعض القيادات البارزة من المستوى السياسي والعسكري ممن نجوا من الحرب، يستعدون لمغادرة القطاع. وأشار أحد المصادر إلى أن هذا الخروج يتم بشكل طوعي، وضمن ترتيبات محددة بالتنسيق الكامل مع قيادة الحركة في الخارج. بينما ذكر مصدر آخر أن بعض القيادات العسكرية ترفض الخروج تحت أي ظرف من الظروف.
خروج قيادات حماس من غزة: ما هي الترتيبات؟
لطالما أكدت حماس على لسان مسؤوليها، خلال فترة الحرب، رفضها لخيار إخراج قياداتها من القطاع. ومع ذلك، يبدو أن هناك تحولاً في الموقف، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة لتحقيق الاستقرار في غزة، وإعادة بناء القطاع. وتأتي هذه التطورات في ظل مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تهدف إلى إنهاء الصراع في غزة، وتأسيس لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، وبدء عملية نزع السلاح.
أطلعت المصادر “الشرق الأوسط” على أسماء عدد من القيادات التي يرجح أن تغادر القطاع، (مع تحفظ الصحيفة عن نشر الأسماء لعدم إمكانية الاتصال بهم بشكل عاجل). ولفتت الانتباه إلى أن من بين هؤلاء شخصيات تم منحها مؤخرًا مواقع قيادية في المكتب السياسي للحركة في غزة، ضمن ترتيبات جديدة نفذها القيادي في حماس، على العامودي، لإعادة تنظيم الحركة.
كما ذكرت المصادر أن هناك عددًا من الأسرى المحررين الذين أطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى عام 2011، والذين يتولون ملفات مهمة داخل قيادة حماس، سيكونون من بين المغادرين إلى تركيا. وتشير هذه المعلومات إلى أن الخروج لا يقتصر على القيادات السياسية والعسكرية، بل يشمل أيضًا الكوادر الإدارية والمسؤولين عن الملفات المختلفة.
في المقابل، نفى مصدر قيادي كبير في حماس يقيم خارج القطاع صحة هذه الأنباء، مؤكدًا أن هذا الموضوع لم يطرح للنقاش. في حين اكتفى مصدر آخر داخل القطاع بالقول إنه “لا علم” لديه بهذه القضية. هذا التضارب في التصريحات يعكس حالة من الغموض والترقب داخل الحركة، حول مستقبل قيادتها في غزة.
وجهات محتملة للقيادات المغادرة
أشارت المصادر إلى أن هذا الخروج “سيكون بلا عودة على الأقل لعدة سنوات”، وأن القيادات المغادرة ستقيم في دول مختلفة. بينما ذكرت مصادر أخرى أن بعض القيادات قد يغادرون لعقد “لقاءات في مصر مع المسؤولين الأمنيين حول بعض القضايا المصيرية التي تتعلق بالقوات الأمنية الحكومية في غزة، وبحث ملفات أخرى مهمة، ثم سيعودون إلى القطاع مجددًا”.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد صرح في سبتمبر الماضي بأن إسرائيل تدرس توفير ممر آمن لخروج قادة حماس من غزة، بموجب شروط معينة، مشيرًا إلى أن ذلك سيتم بحثه ضمن خطة ترامب. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة أن قادة حماس قد يتوجهون إلى قطر أو تركيا في حال مغادرتهم غزة. كما أفادت القناة 12 العبرية بأن قادة حماس أبلغوا مسؤولين أمريكيين باستعدادهم لقبول ترحيل محدود لقادتهم العسكريين من غزة.
مستقبل حماس في غزة: نزع السلاح والحكم التكنوقراطي
تأتي هذه التطورات في سياق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تنص على تسليم حماس لحكم قطاع غزة، وتأسيس لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، وبدء عملية نزع السلاح بشكل كامل. ورحبت حماس بإعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية، مؤكدةً التزامها بتنفيذ شروطها. ومع ذلك، لا تزال الحركة تبحث مع الوسطاء عن خيارات وبدائل لقضية سلاحها وسلاح الفصائل الفلسطينية الأخرى.
وترغب حماس في التوصل إلى صيغة مقبولة فلسطينياً من خلال التواصل المستمر بينها وبين الفصائل الأخرى، وكذلك مع الوسطاء. لكن هذا الأمر يبدو أنه سيواجه صعوبات بالغة، نظرًا للتباين في المواقف بين الفصائل الفلسطينية المختلفة.
في الوقت نفسه، أعلنت واشنطن عزمها الانخراط في محادثات مع حماس تتناول نزع سلاحها ومنحها عفوًا. وكشف مسؤولون أمريكيون أنهم سيتحدثون مع إسرائيل بشأن طبيعة “برنامج العفو” الذي سيمنح للحركة الفلسطينية. ومن المقرر أن تعلن واشنطن عن قرارات بشأن غزة خلال مؤتمر دافوس، وأن تكشف عن تفاصيل قوة الاستقرار الدولية التي ستنتشر في غزة خلال أسبوعين.
الوضع في غزة لا يزال معقدًا وغير مستقر. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تطورات جديدة، تتعلق بمستقبل قيادة حماس، وعملية نزع السلاح، وتشكيل الحكومة التكنوقراطية. وسيكون من المهم متابعة المفاوضات بين الأطراف المختلفة، وتقييم مدى التزامهم بتنفيذ شروط اتفاق وقف إطلاق النار. كما يجب مراقبة ردود فعل الفصائل الفلسطينية المختلفة، وتقييم تأثير هذه التطورات على الوضع الأمني والسياسي في غزة.
