أظهرت دراسة حديثة لصحيفة الإمارات اليوم أن أسعار الدواء في دولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكشفت المقارنة التي أجريت على 10 أدوية شائعة لعلاج الأمراض المزمنة عن ارتفاع في الأسعار يتراوح بين 29% و 180% مقارنة بأسعارها في دول أخرى. يأتي هذا في وقت يناقش فيه المجلس الوطني الاتحادي تحديات تواجه قطاع الصناعات الدوائية المحلي، والتي تؤثر بشكل مباشر على تكلفة الأدوية وتوافرها.
وتشمل هذه التحديات، وفقًا لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، البيئة التشريعية، والاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأدوية، وتوطين الكفاءات، بالإضافة إلى ضعف الاستثمار في التصنيع الدوائي وغياب الاستدامة في هذا القطاع الحيوي. هذه العوامل مجتمعة تساهم في زيادة الاعتماد على الأدوية المستوردة وارتفاع أسعارها.
ارتفاع أسعار الأدوية في الإمارات: مقارنة بالدول المجاورة
أظهرت الدراسة تفاوتاً كبيراً في أسعار الأدوية بين الإمارات ودول أخرى، ولم يقتصر هذا التفاوت على المكملات الغذائية، بل امتد ليشمل الأدوية الأساسية لعلاج الأمراض المزمنة مثل السمنة، وارتفاع ضغط الدم، والكوليسترول، وقرحة المعدة، وحتى الأدوية المستخدمة في علاج المشاكل الجنسية والمضادات الحيوية.
على سبيل المثال، تباع حقنة علاج السمنة “مونجارو” في الإمارات بمتوسط سعر 1734 درهماً، بينما يتراوح سعرها في دول أخرى بين 1228 و 1236 درهماً. وبالمثل، يبلغ سعر دواء “ويجوفي” 1712 درهماً في السوق المحلي، في حين لا يتجاوز 1130 درهماً في دول أخرى. أما دواء “جارديناس” لعلاج السكري من النوع الثاني، فيبلغ سعره 311 درهماً محلياً، مقابل 155-159 درهماً في دول أخرى.
أسباب ارتفاع الأسعار
يرى خبراء في قطاع الأدوية أن آلية التسعير الحالية تلعب دوراً كبيراً في هذا التفاوت. فالدولة تُلزم الشركات بتسعير الأدوية غير المصنعة محلياً بناءً على قائمة مرجعية تضم 18 دولة، مع الأخذ بأقل سعر في هذه القائمة. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن الشركات غالباً ما تسعر الأدوية بناءً على أعلى الأسعار الموجودة في القائمة المرجعية.
بالإضافة إلى ذلك، تشير جولة ميدانية أجرتها الإمارات اليوم في صيدليات خاصة إلى أن ارتفاع كُلفة التشغيل يلعب دوراً هاماً في تحديد أسعار الأدوية. وتشمل هذه الكُلفة الاشتراطات الصحية الصارمة، وتكاليف الاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع، بالإضافة إلى الإيجارات المرتفعة ورواتب الصيادلة المرخصين، والتي تعتبر الأعلى في المنطقة.
تحديات تواجه التصنيع الدوائي المحلي
ناقش المجلس الوطني الاتحادي في جلسة حديثة إشكالية ارتفاع أسعار الدواء، وأكد أعضاء المجلس على أهمية دعم التصنيع المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد وخفض التكاليف. وتشمل التحديات التي تواجه التصنيع المحلي ضعف الاستثمار في البحث والتطوير، وغياب الحوافز للشركات، ونقص الكوادر الوطنية المتخصصة في تصنيع الأدوية المعقدة.
وأشار الدكتور عدنان حمد الحمادي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، إلى ضرورة زيادة مخصصات البحث والتطوير والابتكار في الميزانية العامة الاتحادية، مشيراً إلى أن المخصصات الحالية غير كافية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأدوية. كما أكدت ناعمة عبدالله الشرهان، عضو لجنة شؤون التقنية والطاقة والثروة المعدنية، على أهمية التنسيق بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الصحي وقطاع التصنيع الدوائي لتعزيز الابتكار وتطوير الأدوية.
وتواجه الإمارات تحدياً في رفع نسبة صادرات الصناعات الدوائية، حيث تهدف إلى زيادة هذه النسبة من 10% إلى 20% بحلول عام 2024. ولتحقيق هذا الهدف، يجب معالجة التحديات المتعلقة بتكلفة المواد الخام، وتكاليف إقامة المصانع المحلية، والحصرية التي تتمتع بها الشركات العالمية المصنعة للأدوية.
وفي الختام، من المتوقع أن يستمر المجلس الوطني الاتحادي في مناقشة هذه الإشكاليات وتقديم توصيات للحكومة بهدف خفض أسعار الدواء وتعزيز الأمن الدوائي في دولة الإمارات. كما يتوقع أن تشهد الفترة القادمة زيادة في الاستثمار في البحث والتطوير والتصنيع المحلي للأدوية، بالإضافة إلى تطوير التشريعات واللوائح المتعلقة بقطاع الأدوية. يبقى من الضروري مراقبة تطورات هذه الإجراءات وتقييم تأثيرها على توافر الأدوية وتكاليفها للمرضى.
