بيروت – يستضيف “غاليري مارك هاشم” في منطقة ميناء الحصن البيروتية معرضاً استذكارياً يجمع أعمالاً متنوعة للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، مُسلّطاً الضوء على مسيرته الفنية الغنية. يتيح المعرض فرصة لإعادة النظر في أعمال الفنان الذي استكشف على الدوام فكرة التحول، وكيف يمكن للوحة أن تعكس مرور الزمن وتشكله، وكيف يمكن للصورة أن تتجاوز مجرد التمثيل لتصبح تجربة بصرية حية. هذا المعرض هو بمثابة عودة لـ جان خليفة إلى المشهد الفني اللبناني.

عودة جان خليفة: نظرة على أعماله وتأملات في الزمن والتغيير

يُقدم المعرض أعمالاً تعود إلى فترات مختلفة من حياة خليفة، بدءاً من التجريد الحركي وصولاً إلى التشكيل الذي يميل إلى الغموض. تتراوح الأعمال المعروضة بين اللوحات الصغيرة التي تشبه الملاحظات السريعة والأعمال الكبيرة التي تحتل مساحة أوسع، مما يعكس تنوع أساليبه واهتماماته الفنية. يُركز المعرض بشكل خاص على كيفية تعامل خليفة مع فكرة الاكتمال في أعماله، حيث كان يميل إلى تركها مفتوحة للتفسير والتغيير.

تُظهر مجموعة من اللوحات المتجاورة، والتي تبدو قريبة في الزمن ولكنها مختلفة في المزاج، هذا التوجه بوضوح. نرى أشكالاً بيضاوية محاطة بخطوط زرقاء، وطبقات من الألوان تتداخل وتتعارض، وخطوطاً بيضاء تتدلى كأنها آثار للماء أو الحبر. هذه الأعمال ليست مجرد تراكيب لونية، بل هي تعبير عن حركة الجسد والتوازن الهش بين البناء والانهيار.

الحرب اللبنانية وتأثيرها على أعمال الفنان

من بين أبرز محطات المعرض، عمل يعود إلى عام 1976، وهو العام الذي شهد بداية الحرب الأهلية اللبنانية. يصور العمل امرأتين توأمتين محاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة رمزية عن الحب كقوة تتجاوز الانقسامات والصراعات. ومع ذلك، فإن الزهور لا تمثل البهجة الخالصة، بل هي محاولة لتضميد جراح لا تلتئم. هذا العمل، بالإضافة إلى غيره، يعكس تأثير الحرب على نفسية الفنان وتفكيره.

تظهر الحرب أيضاً من خلال استخدام الأقنعة والانقسامات في الوجوه، مما يعبر عن فقدان الهوية والتمزق الاجتماعي. تُظهر اللوحات شخصيات تبدو وكأنها تتراوح بين التجسيد والتبدد، مما يعكس حالة عدم اليقين والخوف التي سادت خلال فترة الحرب. هذه الأعمال ليست مجرد وثائق تاريخية، بل هي تأملات عميقة في طبيعة الصراع وتأثيره على الإنسان.

التجريد واللون: لغة جان خليفة البصرية

يتميز أسلوب جان خليفة بالتجريد واستخدام الألوان الجريئة والمتباينة. لم يكن الفنان يهدف إلى تمثيل الواقع بشكل حرفي، بل إلى التعبير عن المشاعر والأفكار من خلال اللغة البصرية. كان يستخدم الألوان كأدوات لخلق التوتر والإثارة، وكشف عن الجوانب الخفية من الوجود. تُظهر اللوحات الصغيرة التي تتجاور كصفحات من دفتر، كيف كان الفنان يختبر الألوان والأشكال المختلفة، ويبحث عن التعبير الأمثل عن رؤيته الفنية.

يتجلى هذا التوجه أيضاً في الأعمال التركيبية التي تجمع بين مواد مختلفة، مثل الأسلاك والأوراق والصور الفوتوغرافية. تُشبه هذه الأعمال وعاءً للذاكرة، حيث تتداخل الذكريات والتجارب لتشكيل صورة معقدة ومتعددة الأبعاد. يُظهر استخدام الألوان الداكنة والخطوط الحادة في هذه الأعمال، القلق والتوتر الذي كان يعيشه الفنان.

تُعد أعمال جان خليفة بمثابة دعوة للتأمل في طبيعة الزمن والتغيير، وفي العلاقة بين الفن والحياة. من خلال لغته البصرية الفريدة، ينجح الفنان في إثارة الأسئلة والتحديات، ويدفعنا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا عن الجمال والحقيقة. تُعتبر أعماله جزءاً هاماً من التراث الفني اللبناني، وستظل تلهم الأجيال القادمة من الفنانين.

من المتوقع أن يستمر المعرض في “غاليري مارك هاشم” لعدة أسابيع، مما يتيح الفرصة لجمهور واسع للاطلاع على أعمال جان خليفة. سيتم تنظيم ندوات وورش عمل مصاحبة للمعرض، بهدف تعزيز الحوار والتفاعل حول الفن اللبناني الحديث. يُعد هذا المعرض خطوة مهمة في إعادة إحياء ذكرى الفنان، وتسليط الضوء على مساهمته القيمة في المشهد الفني والثقافي في لبنان.

شاركها.