أُفتتح مؤخرًا “متحف الاستقلال” في قلعة راشيا، لبنان، مُقدمًا تجربة فريدة من نوعها لاستكشاف تاريخ الاستقلال اللبناني من خلال تقنيات حديثة مثل الهولوغرام والذكاء الاصطناعي. يهدف المتحف إلى إحياء ذكرى النضال من أجل السيادة وتقديمها للأجيال القادمة بطريقة تفاعلية وشيقة، مع التركيز على الأحداث التي شهدتها القلعة في عام 1943.
متحف الاستقلال: رحلة عبر تاريخ لبنان
تقع قلعة راشيا في موقع استراتيجي يطل على وادي التيم وجبل حرمون، وقد شهدت عبر تاريخها حضارات مختلفة، بدءًا من الرومان وصولًا إلى العهد الفرنسي. تم ترميم القلعة بعناية فائقة، مع الحرص على الحفاظ على طابعها التاريخي الأصيل، وتحويلها إلى متحف يروي قصة لبنان نحو الاستقلال. يشمل الترميم إعادة بناء الأثاث والمقتنيات التي كانت موجودة في القلعة خلال فترة الاعتقالات، مما يمنح الزائرين شعورًا بالانغماس في تلك الحقبة التاريخية.
إعادة إحياء الذاكرة بالتكنولوجيا
يعتمد المتحف على أحدث التقنيات لتقديم المعلومات التاريخية بطريقة مبتكرة. في الطابق السفلي، يستقبل الزوار جهاز ذكي يجيب على أسئلتهم حول تاريخ القلعة والمنطقة. كما يعرض المتحف تاريخ القلعة من خلال عرض مرئي يوضح المراحل المختلفة التي مرت بها. أما أبرز ما يميز المتحف فهو استخدام تقنية الهولوغرام لعرض شخصيات رئيسية في تاريخ الاستقلال، مثل الرئيس رياض الصلح والرئيس بشارة الخوري.
يستطيع الزوار، بفضل الهولوغرام، “لقاء” الرئيس رياض الصلح والاستماع إلى شرحه لظروف اعتقاله في القلعة، وكيف تم نقله مع زملائه من بيروت دون أي سلاح، مؤكدين فقط على مطلب الحرية. هذه التقنية، وفقًا للدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال التي أشرفت على المشروع، لم تكن سهلة من الناحية التقنية، حيث تطلبت استعادة دقيقة للصوت والهيئة والملابس للشخصيات التاريخية.
قلعة راشيا: شاهد على النضال
لم يكن “متحف الاستقلال” مجرد ذكرى لنيل الاستقلال، بل يربط الزائرين أيضًا بتاريخ النضال ضد الانتداب الفرنسي. فالقلعة شهدت جزءًا من الثورة العربية الكبرى عام 1925، ويستعرض المتحف خيمة السلطان باشا الأطرش، قائد الثورة، والتي أعيد بناؤها بدقة لتذكر الزوار بتلك الفترة. ويُذكر أن القلعة كانت هدفًا للقوات الفرنسية، التي قصفتها عام 1925، مما أدى إلى مقتل 400 من الثوار، وهو ما تم توثيقه في لوحة تحمل أسماءهم داخل المتحف.
يركز الطابق الثاني من القلعة على أحداث 11 نوفمبر 1943، عندما اعتقلت السلطات الفرنسية الرئيس بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح وعددًا من الوزراء، ردًا على معركة تعديل الدستور التي هدفت إلى إنهاء الانتداب الفرنسي. تم إعادة تأثيث غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح لتعكس حالتها في ذلك الوقت، كما أن الهولوغرام للرئيس الخوري يقدم شرحًا للزوار حول تلك الأحداث.
جهود متكاملة لإحياء الموقع
لم يقتصر العمل على ترميم القلعة وإنشاء المتحف، بل شمل أيضًا تطوير البنية التحتية المحيطة بها. أشار النائب وائل أبو فاعور إلى أن المشروع تضمن إعادة رصف أحيائها القديمة، وترميم السوق الأثرية، وإنارة المنطقة. ويهدف هذا التطوير إلى تحويل قلعة راشيا إلى وجهة سياحية متكاملة، تجمع بين التاريخ والطبيعة الخلابة.
بالإضافة إلى ذلك، يجري التعاون مع وزارتي التربية والثقافة لتشجيع المدارس على تنظيم رحلات لطلابها إلى المتحف، للاستفادة من هذه التجربة التعليمية والتاريخية. ويأمل القائمون على المشروع أن يلعب المتحف دورًا هامًا في تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب والأجيال القادمة.
من المتوقع أن يتم الإعلان عن خطة عمل تفصيلية لتنظيم الزيارات المدرسية خلال الأشهر القليلة القادمة، مع تحديد مواعيد ثابتة وتوفير برامج تعليمية مخصصة. كما يجري دراسة إمكانية تنظيم فعاليات ثقافية وفنية في المتحف بشكل دوري، لجذب المزيد من الزوار وتعزيز دوره كمركز ثقافي في المنطقة. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان استدامة المتحف وتوفير الموارد اللازمة للحفاظ عليه وتطويره على المدى الطويل.
