أثار مرسوم الشرع الجديد في العراق جدلاً واسعاً، خاصةً بين الأكراد، الذين يعربون عن قلقهم بشأن تأثيره المحتمل على حقوقهم الدستورية ومكاسبهم التي تحققت بعد عام 2003. يركز الجدل الدائر حول مرسوم الشرع على تفسير المواد المتعلقة بالميزانية والاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان. صدر المرسوم في 24 أبريل 2024، ويشمل تعديلات على قانون الموازنة العامة للدولة.
ينطبق تأثير هذا المرسوم بشكل أساسي على إقليم كردستان والمناطق المتنازع عليها، حيث يثير تساؤلات حول حصة الإقليم من الميزانية الاتحادية وصلاحيات حكومة الإقليم في إدارة موارده الطبيعية. وقد أعلنت عدة جهات كردية رفضها للمرسوم، معتبرةً إياه انتهاكاً لاتفاقيات سابقة ومحاولة لتقويض الاستقلال المالي للإقليم. تتضمن ردود الفعل الأولية دعوات إلى الحوار والتفاوض بين بغداد وأربيل.
ما هو مرسوم الشرع وما هي أبرز بنوده؟
مرسوم الشرع هو تعديل على قانون الموازنة العامة لعام 2024، يهدف – وفقاً للحكومة الاتحادية – إلى تنظيم الإنفاق العام وضمان توزيع عادل للموارد بين جميع مناطق العراق. ومع ذلك، يرى الأكراد أن بعض بنود المرسوم تتعارض مع الدستور العراقي، خاصةً فيما يتعلق بحقوق الإقليم في الحصول على حصة عادلة من الميزانية بناءً على عدد السكان والاحتياجات الخاصة.
بنود المرسوم المثيرة للجدل
أحد أبرز البنود التي أثارت انتقادات واسعة هو المتعلق بتحديد حصة إقليم كردستان من الميزانية بناءً على نسبة السكان فقط، دون الأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى مثل التكاليف الإضافية للمناطق الجبلية والمشاريع التنموية. بالإضافة إلى ذلك، يثير بند آخر قلقاً بشأن صلاحيات حكومة الإقليم في التفاوض على عقود النفط والغاز مع الشركات الأجنبية.
يرى مراقبون أن المرسوم يمثل محاولة من الحكومة الاتحادية لفرض سيطرة أكبر على الموارد الطبيعية في إقليم كردستان، وتقليل الاستقلالية المالية للإقليم. تأتي هذه الخطوة في ظل توترات سياسية واقتصادية مستمرة بين بغداد وأربيل، وتصاعد الخلافات حول مسألة تقاسم النفط.
ردود الفعل الكردية على المرسوم
أعربت الأحزاب الكردية الرئيسية عن رفضها القاطع لمرسوم الشرع، واعتبرته خطوة استفزازية تهدف إلى تقويض حقوق الأكراد في العراق. الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة مسعود بارزاني، وصف المرسوم بأنه “غير دستوري وغير عادل”، ودعا إلى إلغائه فوراً.
في المقابل، اتهم الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة بافل طالباني، الحكومة الاتحادية بمحاولة فرض إملاءات على الإقليم، وطالب بفتح حوار جاد بين الطرفين لحل الخلافات. كما أعربت العديد من الشخصيات الكردية عن قلقها بشأن تأثير المرسوم على الاستقرار السياسي والاقتصادي في إقليم كردستان.
بالإضافة إلى ذلك، نظمت عدة تظاهرات واحتجاجات في مدن إقليم كردستان للتعبير عن الرفض للمرسوم، والمطالبة باحترام حقوق الأكراد الدستورية. وتشير التقارير إلى أن هذه التظاهرات جرت بشكل سلمي، ولم تشهد أي أعمال عنف.
الخلفية السياسية والاقتصادية
يعود الجدل حول الميزانية والاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان إلى سنوات طويلة، ويتفاقم بسبب الخلافات حول مسألة تقاسم النفط. تعتمد حكومة إقليم كردستان بشكل كبير على عائدات النفط في تمويل ميزانيتها، وتسعى للحفاظ على استقلالها المالي.
من جهتها، تطالب الحكومة الاتحادية بضرورة إخضاع عائدات النفط من إقليم كردستان للرقابة الفيدرالية، وتوزيعها بشكل عادل على جميع مناطق العراق. وقد أدت هذه الخلافات إلى توترات سياسية واقتصادية متكررة بين بغداد وأربيل، وتعطيل عملية إقرار الموازنة العامة للدولة لعدة سنوات.
تأتي هذه التطورات أيضاً في ظل أوضاع اقتصادية صعبة يمر بها العراق، بسبب انخفاض أسعار النفط وتداعيات جائحة كوفيد-19. وتواجه الحكومة الاتحادية تحديات كبيرة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
تداعيات محتملة للمرسوم
قد يؤدي استمرار الخلاف حول مرسوم الشرع إلى تصعيد التوترات السياسية بين بغداد وأربيل، وتأخير عملية إقرار الموازنة العامة للدولة. كما قد يؤثر ذلك سلباً على الاستقرار الاقتصادي في إقليم كردستان، وتقويض جهود التنمية.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي المرسوم إلى زيادة الشعور بالظلم والإقصاء بين الأكراد، مما قد يدفعهم إلى المطالبة بمزيد من الحقوق والضمانات. ويرى بعض المحللين أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات العرقية والطائفية في العراق، وتقويض الوحدة الوطنية.
تعتبر قضية تقاسم الثروة من القضايا الرئيسية التي يجب حلها من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق. ويتطلب ذلك حواراً جاداً وبناءً بين جميع الأطراف، والتوصل إلى اتفاق عادل ومستدام يضمن حقوق جميع المكونات العرقية والدينية.
من المتوقع أن تجتمع اللجنة القانونية في البرلمان العراقي لمناقشة المرسوم خلال الأسبوع القادم. كما من المحتمل أن تجري مباحثات بين الحكومة الاتحادية ومسؤولي إقليم كردستان في محاولة للتوصل إلى حل للخلافات. يبقى مستقبل مرسوم الشرع غير واضح، ويتوقف على نتائج هذه المباحثات وقدرة الأطراف على التوصل إلى توافق. يجب مراقبة تطورات هذا الملف عن كثب، وتقييم تأثيره المحتمل على الوضع السياسي والاقتصادي في العراق.
