في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي والحد من الاعتماد على الخارج، تتجه الولايات المتحدة نحو إنشاء مخزون استراتيجي وطني من المعادن الحيوية، وذلك عبر مشروع قانون جديد يناقش في الكونغرس. يأتي هذا المقترح مدفوعاً بقلق متزايد بشأن الهيمنة الصينية على سلاسل الإمداد العالمية لهذه المواد الأساسية، والتي تعتبر ضرورية لمجموعة واسعة من الصناعات التكنولوجية والدفاعية.

يهدف مشروع القانون، الذي قدمه مشرّعون من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلى تخصيص 2.5 مليار دولار لتكوين احتياطي يدار بآلية مشابهة لتلك المتبعة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان وصول أميركا إلى إمدادات مستقرة من المعادن الضرورية، وتقليل تعرضها للصدمات الجيوسياسية والاقتصادية.

أسباب التحرك نحو تأمين المعادن الحيوية

تعتبر المعادن الحيوية، مثل الليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، مكونات أساسية في العديد من التقنيات الحديثة، بما في ذلك السيارات الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة، والإلكترونيات الاستهلاكية، بالإضافة إلى التطبيقات العسكرية المتقدمة. تسيطر الصين حالياً على جزء كبير من عمليات استخراج وتصنيع هذه المعادن، مما يثير مخاوف بشأن إمكانية استخدامها كورقة ضغط سياسية أو اقتصادية.

وفقاً لوكالة “أسوشيتد برس”، يشير مشروع القانون إلى أن الصين سعت بنشاط إلى تعزيز نفوذها في أسواق المعادن الحيوية، مما أدى إلى تقويض قدرة الدول الأخرى على المنافسة. وقد أدى الإنتاج الصيني الكبير إلى فائض في المعروض، مما أثر على أسعار بعض المعادن، ودفع شركات أميركية إلى إعادة النظر في خططها التوسعية المحلية.

الاعتماد على الصين وتداعياته

تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصين في الحصول على العديد من المعادن الحيوية، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار وتعطيل الإمدادات. وقد أدى هذا الاعتماد إلى قلق متزايد في أوساط صانعي السياسات والشركات الأميركية، الذين يرون أن تأمين سلاسل الإمداد أمر ضروري للأمن القومي والاقتصادي.

في يوليو الماضي، اتخذت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) خطوة ملموسة لتعزيز قدراتها في مجال المعادن الحيوية، من خلال أن تصبح أكبر مساهم في شركة “إم بي ماتيريالز”، المالكة لمنجم العناصر الأرضية النادرة الوحيد العامل في الولايات المتحدة. تهدف هذه الخطوة إلى حماية سلسلة الإمداد من المنافسة الصينية المتزايدة، وضمان حصول الجيش الأميركي على المواد التي يحتاجها.

آلية عمل الاحتياطي الاستراتيجي للمعادن

ينص مشروع القانون على إنشاء “احتياطي المرونة الاستراتيجية”، وهو كيان مستقل يتمتع بسلطة شراء وتخزين المعادن الحيوية. سيتألف المجلس الإداري للاحتياطي من سبعة أعضاء، يتم تعيينهم من قبل الرئيس والموافقة عليهم من قبل مجلس الشيوخ، على أن يتمتعوا بخبرات فنية واقتصادية ذات صلة.

سيقوم الاحتياطي بشراء المعادن المصنفة على أنها حيوية من قبل الوكالات الحكومية الأميركية، وتخزينها في مستودعات موزعة في جميع أنحاء البلاد. سيولي الاحتياطي أيضاً اهتماماً خاصاً بإعادة تدوير المعادن، وتشجيع الاستثمار في التعدين المحلي. بالإضافة إلى ذلك، يتيح المشروع للدول الحليفة الانضمام إلى الاحتياطي، والمساهمة في بناء شبكة توريد غربية متكاملة.

من الجدير بالذكر أن مشروع القانون يتبنى مقاربة تعتمد بشكل كبير على آليات السوق، مما يمنح الاحتياطي مرونة في تحديد آليات الشراء، بما في ذلك دفع أسعار أعلى من السوق إذا لزم الأمر لدعم الإنتاج المحلي أو كسر هيمنة مورد واحد. هذه المرونة تهدف إلى تجنب التدخل المباشر في السوق، وتشجيع المنافسة.

ردود الفعل والتطورات الدولية

حظي مشروع القانون بتأييد واسع من المشرعين من كلا الحزبين، الذين يرون فيه خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي والاقتصادي للولايات المتحدة. وقالت السيناتورة جين شاهين إن الاستثمار في المعادن الحيوية سيساعد في تحصين البلاد من التهديدات الخارجية، وتوفير دفعة قوية للاقتصاد.

لا يقتصر الاهتمام بتأمين سلاسل الإمداد من المعادن الحيوية على الولايات المتحدة وحدها. فقد ناقشت مجموعة السبع إمكانية وضع حدود دنيا لأسعار بعض هذه المعادن، في حين تعمل أستراليا على تطوير احتياطي وطني خاص بها. هذه التطورات تعكس إدراكاً متنامياً لأهمية هذه المواد الاستراتيجية، والحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد.

في الختام، يمثل مشروع القانون خطوة مهمة نحو تعزيز استقلال الولايات المتحدة في مجال المعادن الحيوية، وتقليل اعتمادها على الصين. من المتوقع أن يخضع المشروع لمزيد من المناقشة والتعديل في الكونغرس، قبل أن يتم طرحه للتصويت النهائي. يبقى من غير الواضح ما إذا كان المشروع سيمر دون تغيير، أو ما إذا كانت ستتم إضافة تعديلات جديدة عليه. يجب متابعة تطورات هذا الملف لمعرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من تحقيق أهدافها في تأمين سلاسل الإمداد من المعادن الحيوية.

شاركها.