في ظل استمرار الاحتجاجات في إيران وتصاعد التوترات الأمنية، يزداد الجدل حول عدد قتلى الاحتجاجات الإيرانية الفعلي. تتضارب التقديرات بشكل كبير بين المصادر الحقوقية، والتقارير الرسمية، والتقييمات الاستخبارية الغربية، مما يعكس صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة في ظل القيود المفروضة على الإعلام والاتصالات.
تشير أحدث التقارير الصادرة عن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) إلى ارتفاع عدد القتلى إلى 2571 شخصًا، مع تأكيد مقتل 2403 متظاهرين و147 فردًا مرتبطين بالحكومة، بالإضافة إلى 12 قاصرًا و9 مدنيين غير مشاركين في الاحتجاجات. يأتي هذا التحديث بعد إقرار رسمي إيراني نادر، حيث ذكر مسؤول إيراني أن حوالي 2000 شخص لقوا حتفهم خلال الاضطرابات، دون تقديم تفاصيل حول توزيع الضحايا أو آلية احتساب الأرقام.
لماذا هذا التباين الكبير في تقديرات عدد قتلى الاحتجاجات الإيرانية؟
يعود التباين الحاد في الأرقام إلى عدة عوامل رئيسية. أولاً، تفرض السلطات الإيرانية قيودًا صارمة على عمل الصحفيين والمنظمات الدولية، مما يجعل التحقق المستقل من المعلومات أمرًا بالغ الصعوبة. بالإضافة إلى ذلك، أدى قطع الإنترنت والاتصالات على نطاق واسع إلى عزل العديد من المناطق المتضررة وتقييد تدفق المعلومات.
تعتمد المنظمات الحقوقية، مثل هرانا ومنظمة حقوق الإنسان في إيران، على شبكات واسعة من المتطوعين والمصادر داخل البلاد لجمع المعلومات وتوثيقها. تستخدم هذه المنظمات منهجية “التحقق المتقاطع” لضمان دقة البيانات، من خلال مطابقة الأسماء والأماكن والتواريخ، والاستناد إلى شهادات مباشرة، ومواد بصرية. ومع ذلك، فإن هذه العملية تستغرق وقتًا طويلاً وقد تكون غير كاملة في ظل الظروف الحالية.
التقديرات الاستخباراتية الغربية
في المقابل، تقدم التقييمات الاستخباراتية الغربية أرقامًا مختلفة. نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي أن إسرائيل شاركت الولايات المتحدة تقييمًا استخباراتيًا يشير إلى مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف متظاهر. بينما أفادت شبكة “سي بي إس” أن عدد القتلى قد يتجاوز 12 ألف شخص، وربما يصل إلى 20 ألفًا، استنادًا إلى مصادر داخل إيران. هذه التقديرات، على الرغم من كونها ذات أهمية، غالبًا ما تكون مبنية على معلومات استخباراتية غير مؤكدة وقد تخضع للتغيير.
من المهم ملاحظة أن هذه التقديرات الأمنية تختلف عن الإحصاءات الحقوقية التي تعتمد على توثيق علني للأسماء والوقائع. كما أن التقديرات الغربية قد تكون مدفوعة بأجندات سياسية أو استخباراتية.
التحديات التي تواجه توثيق عدد الضحايا
تعتبر عملية توثيق عدد الضحايا في الاحتجاجات الإيرانية تحديًا كبيرًا بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات. تفتقر المنظمات الحقوقية إلى القدرة على إجراء تحقيقات مستقلة في مواقع الاحتجاجات أو زيارة المستشفيات والسجون. بالإضافة إلى ذلك، تخشى العديد من العائلات الإبلاغ عن مقتل أحبائهم خوفًا من الانتقام من قبل السلطات.
تتعامل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بحذر في مقاربتها للأرقام، حيث نقل المتحدث باسم المفوضية عن مصادر للأمم المتحدة داخل إيران أن عدد القتلى “يصل إلى المئات”، دون تبني رقم إجمالي أعلى. يعكس هذا الحذر اعتماد المفوضية على قنوات أممية محدودة وتجنب الجزم بأرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل.
تتزايد المخاوف بشأن الشفافية في التعامل مع هذه القضية. فالغياب التام لآلية رسمية مستقلة للتحقيق في الوفيات والإعلان عن الخسائر البشرية يثير تساؤلات حول مدى رغبة السلطات الإيرانية في الكشف عن الحقيقة الكاملة.
الاحتجاجات الإيرانية مستمرة، ومن المتوقع أن تستمر التحديات في توثيق عدد القتلى. يجب على المجتمع الدولي الضغط على السلطات الإيرانية لرفع القيود المفروضة على الإعلام والاتصالات والسماح بإجراء تحقيقات مستقلة في الوفيات. كما يجب على المنظمات الحقوقية مواصلة جهودها لجمع المعلومات وتوثيقها، مع الاعتراف بالصعوبات والتحديات التي تواجهها.
في المستقبل القريب، من المرجح أن تستمر التقديرات المتباينة لعدد القتلى في إثارة الجدل. سيكون من الضروري مراقبة التطورات على الأرض، وتقييم المعلومات الواردة من مصادر مختلفة، والبحث عن أي مؤشرات على تغيير في موقف السلطات الإيرانية تجاه هذه القضية. يبقى الوضع الإنساني في إيران مصدر قلق بالغ، ويتطلب اهتمامًا دوليًا مستمرًا.
