يشهد سوق العمل ظهور وظائف جديدة تتطلب خبرات بشرية متخصصة للمساهمة في تطوير وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ففي حين أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى تدخل بشري لضمان الدقة والموثوقية، خاصة في المجالات المعقدة والمتخصصة. هذا التوجه يخلق فرصًا جديدة للمهنيين من مختلف الخلفيات لتقديم خبراتهم في خدمة تطوير هذه التقنيات.

أشارت تقارير حديثة إلى أن الطلب على خبراء لتدريب الذكاء الاصطناعي يتزايد بشكل ملحوظ. فمن خلال منصات العمل الحر مثل “فريلانسر”، ظهرت آلاف الوظائف الجديدة التي تتطلب مهارات متخصصة في مجالات متنوعة، بدءًا من الفيزياء والمالية وصولًا إلى الرعاية الصحية والقانون. هذا النمو يعكس إدراك الشركات والمختبرات البحثية لأهمية الخبرة البشرية في تحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي.

أهمية تدريب الذكاء الاصطناعي بالخبرات البشرية

على الرغم من قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات هائلة من البيانات، إلا أنها غالبًا ما تفتقر إلى الفهم العميق والسياق الذي يمتلكه الخبراء البشريون. ففي حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقرأ الإنترنت بأكمله، فإنه لا يزال يواجه صعوبة في استخلاص المعرفة الدقيقة والموثوقة، خاصة في المجالات التي تتطلب حكمًا سليمًا أو تفكيرًا أخلاقيًا.

يوضح خبراء الصناعة أن النماذج المدربة على البيانات العامة قد تقدم إجابات صحيحة بنسبة 80%، ولكن في المجالات الحساسة مثل القانون والطب، هذه النسبة غير كافية. يتطلب الأمر تدخلًا بشريًا لضمان أعلى مستويات الدقة والثقة، وهو ما يطالب به العملاء والمستخدمون.

دور الخبراء في المجالات عالية التنظيم

تزداد أهمية الخبرة البشرية بشكل خاص في المجالات التي تخضع لتنظيم صارم أو تنطوي على مخاطر عالية. ففي هذه المجالات، لا يكفي أن تكون الإجابات صحيحة ظاهريًا، بل يجب أن تكون مدعومة بفهم عميق للقواعد واللوائح والمعايير المهنية. الخبراء قادرون على تقييم جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي والتأكد من توافقها مع المتطلبات القانونية والأخلاقية.

تعتمد بعض الشركات على أنظمة آلية لتقييم خبرة المرشحين لتدريب الذكاء الاصطناعي. هذه الأنظمة تقوم بإجراء مقابلات افتراضية وطرح أسئلة متخصصة لتقييم مدى معرفة المرشح وقدرته على التفكير النقدي. يهدف هذا الإجراء إلى ضمان اختيار أفضل الخبراء لتقديم البيانات والتوجيهات اللازمة لتحسين أداء النماذج.

“الميل الأخير من المعلومات”

يشير خبراء الذكاء الاصطناعي إلى مفهوم “الميل الأخير من المعلومات”، وهو المرحلة التي تتطلب فيها النماذج تدخلًا بشريًا للوصول إلى الدقة والكمال. على الرغم من التقدم الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، إلا أنه لا يزال هناك عالم مليء بالحالات الاستثنائية التي تتطلب حكمًا سليمًا أو تفكيرًا إبداعيًا.

يؤكد مارك كوين، المدير الأول لعمليات الذكاء الاصطناعي في شركة “بيرل”، أن النماذج تحتاج إلى تطوير مستمر لسد هذه الفجوة. ستساعد الأنظمة الخبيرة والمعرفة المتخصصة النماذج على الارتقاء إلى المستوى التالي وتحقيق أداء أفضل في المهام المعقدة.

هذا التوجه يخلق نوعًا جديدًا من العمل المعرفي، حيث يساهم المهنيون في تدريب الذكاء الاصطناعي جنبًا إلى جنب مع وظائفهم الأساسية. يمكن أن يكون هذا العمل مصدر دخل إضافي أو فرصة لتطوير المهارات واكتساب خبرة جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي. الاستعانة بمصادر خارجية للبيانات (Data outsourcing) أصبحت شائعة بشكل متزايد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم الخبراء البشريين يمثل تطورًا مثيرًا للاهتمام. فهذا يعكس مدى التقدم الذي حققه الذكاء الاصطناعي في قدرته على فهم وتقييم القدرات البشرية.

من المتوقع أن يستمر الطلب على خبراء لتدريب الذكاء الاصطناعي في النمو مع ازدياد تعقيد النماذج وتوسع نطاق تطبيقاتها. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح إلى متى سيستمر هذا النوع الجديد من العمل، وما إذا كان سيتحول في النهاية إلى وظائف بدوام كامل أو سيظل مجرد عمل إضافي. ما يجب مراقبته هو تطور قدرات الذكاء الاصطناعي في التعلم الذاتي وتقليل الاعتماد على البيانات البشرية.

شاركها.