يُعد فيلم “يونان” عملاً سينمائياً مؤثراً يتناول قضايا الغربة والمنفى والهوية، حاصداً إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء. الفيلم، من إخراج أمير فخر الدين، يعرض حالياً في دور السينما في بيروت، بما في ذلك سينما متروبوليس، بعد أن حقق نجاحاً في مهرجانات سينمائية دولية وعربية مرموقة. يركز الفيلم على تجربة كاتب عربي يعيش في ألمانيا ويكافح مع مشاعر الوحدة والاغتراب.

فيلم «يونان».. استكشاف عميق لتجربة الغربة

يستكشف فيلم “يونان” بعمق ثقل **الغربة** وتأثيرها على النفس البشرية. لا يقدم الفيلم حلولاً سهلة أو إجابات بسيطة، بل يطرح أسئلة وجودية حول معنى الوطن والانتماء والهوية في عالم يتسم بالتغير والتقلب. يروي الفيلم قصة منير، الكاتب الذي يجد نفسه معزولاً عن جذوره، متخبطاً بين ثقافتين، ومثقلاً بخسائر شخصية عميقة.

بدأ تصوير الفيلم قبل ثلاث سنوات، واعتمد المخرج على أسلوب تصوير هادئ ومراقب، يتيح للمشاهد الانغماس في عالم الشخصيات والشعور بمعاناتهم. يتميز الفيلم بحوارات مقتضبة وصمت مطبق، يعكسان حالة العزلة الداخلية التي تعيشها الشخصيات الرئيسية.

أداء تمثيلي متميز

يُعد أداء الممثل جورج خباز في دور منير من أبرز نقاط القوة في الفيلم. يقدم خباز أداءً مقنعاً ومؤثراً، ينقل بدقة مشاعر الألم والوحدة واليأس التي تعتمل داخل الشخصية. كما تبرز الممثلة الألمانية هانا شيغولا في دور فاليسكا، حيث تقدم أداءً ناضجاً ومتوازناً، يمثل نقطة أمل في حياة منير. تضيف نضال الأشقر، بدور والدة منير، لمسة من الحنين والشوق إلى الوطن.

الفيلم لا يقتصر على سرد قصة فردية، بل يتطرق إلى قضايا اجتماعية وسياسية أوسع تتعلق بتجربة **اللاجئين والمهاجرين** في أوروبا. يُظهر الفيلم التحديات التي يواجهونها في التكيف مع ثقافة جديدة، والحفاظ على هويتهم، ومواجهة التمييز والعزلة. كما يسلط الضوء على دور المجتمع الأوروبي في استقبالهم ودمجهم.

رمزية الأسطورة وتأثيرها

يستوحي الفيلم اسمه وبعض رموزه من قصة النبي يونس في الديانة الإسلامية والمسيحية. يُظهر الفيلم منير وهو يشبه يونس في رحلته الروحية، حيث يواجه عاصفة من المشاعر السلبية ويجد نفسه في عزلة تامة. ولكن، كما في القصة الأصلية، يجد منير أيضاً فرصة للخلاص والتجديد من خلال لقائه بفاليسكا.

يستخدم المخرج شعر المتنبي في بداية الفيلم للتعبير عن الصراع الداخلي الذي يعيشه منير، وتأثيره على مشاعره. تُعد عبارة “أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ” تلخيصاً دقيقاً لحالة الحنين والاشتياق التي تسيطر على الشخصية الرئيسية. يُعزز هذا الاستخدام للشعر من الجانب الأدبي والفني للفيلم.

بالإضافة إلى ذلك، يدمج الفيلم عناصر بصرية قوية، مثل مشاهد الطبيعة العاصفة والفيضانات، لتعكس الحالة النفسية المضطربة للشخصيات. تُساهم هذه العناصر في خلق جو من التشويق والإثارة، وتجعل الفيلم تجربة سينمائية فريدة من نوعها.

حصد فيلم “يونان” العديد من الجوائز في مهرجانات سينمائية مرموقة، بما في ذلك جائزة أفضل ممثل لجورج خباز في مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي، وجائزة أفضل مخرج لأمير فخر الدين في مهرجان البحر الأحمر السينمائي. تأكيداً على جودة الفيلم وأهميته الفنية والإنسانية.

من المتوقع أن يستمر عرض فيلم “يونان” في دور السينما في بيروت خلال الأسابيع القادمة، وأن يحظى بإقبال كبير من الجمهور والنقاد. كما من المحتمل أن يشارك الفيلم في المزيد من المهرجانات السينمائية الدولية، وأن يحقق المزيد من النجاح والتقدير. يبقى أن نرى ما إذا كان الفيلم سيساهم في فتح حوار أوسع حول قضايا **الهجرة** و**الاندماج** و**الهوية** في المجتمعات العربية والأوروبية.

شاركها.