تتمتع ضاحية المعادي، الواقعة جنوب القاهرة، بجاذبية فريدة، حيث تجمع بين الهدوء والمساحات الخضراء والتطور الحضاري. احتفاءً بهذا الطابع المتميز، قام “الجهاز القومي للتنسيق الحضاري” بتوثيق تاريخ وتراث المعادي في كتاب جديد، ضمن سلسلة “ذاكرة المدينة”، في خطوة تسعى للحفاظ على الهوية الثقافية والجمالية لهذه المنطقة التاريخية.

عقد الجهاز القومي للتنسيق الحضاري ندوة الأحد الماضي في دار الأوبرا لتقديم كتاب “المعادي لمحات من تاريخ وتراث الضاحية الخضراء”، والذي يهدف إلى إبراز أهمية المعادي كنموذج للتخطيط الحضاري الدقيق والمحافظة على الطابع المعماري الفريد الذي يميزها. شارك في إعداد الكتاب نخبة من المتخصصين في مجالات العمارة والتاريخ والتراث، بالإضافة إلى سكان أصليين عاشوا في المعادي لعقود.

تاريخ المعادي: نشأة غير مخطط لها وتحول حضاري

لم تكن نشأة المعادي تخطيطًا حضريًا مقصودًا، بل جاءت نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفقًا لما ذكره الدكتور نزار الصياد، رئيس تحرير ومعد الكتاب، أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة كاليفورنيا بيركلي. بدأت القصة مع رغبة الإنجليز في الاستشفاء في منطقة حلوان، جنوب المعادي، بسبب مناخها المعتدل وآبارها الكبريتية.

لتسهيل الوصول إلى حلوان، قام رجل أعمال مصري يهودي، من عائلة سوارس، بمد خط قطار خاص يربط بين باب اللوق في القاهرة وحلوان. واشترط رجل الأعمال الحصول على أراضٍ حول خط القطار، مما أدى إلى ظهور المعادي كمحطة رئيسية على الطريق إلى حلوان. اعتمد تصميم المعادي الأولي على مفهوم “مدينة الحدائق” (Garden City)، وهو مفهوم معماري سائد في إنجلترا وأمريكا في تلك الفترة، يركز على توفير مساحات خضراء واسعة وفيلات وقصور.

أبرز ملامح المعادي المعمارية والاجتماعية

تميزت المعادي في بداياتها بتخطيطها الدقيق وتنوع طرازها المعماري، الذي يجمع بين الطراز الأوروبي والمصري التقليدي. سكنت المعادي في البداية عائلات مصرية قليلة، بالإضافة إلى القوات الأسترالية والنيوزيلندية التابعة لبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى. لاحقًا، جذبت المعادي المثقفين المصريين بعد ثورة 1952، وشهدت أيضًا هجرة بعض العائلات اليهودية بعد عام 1956.

يرصد الكتاب هذه التحولات التاريخية والاجتماعية، ويقدم تحليلاً معمقاً للتطورات التي شهدتها المعادي عبر الزمن. كما يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الطابع المميز للمعادي، الذي يتميز بالهدوء والمساحات الخضراء والشوارع النظيفة. يستعرض الكتاب أيضًا دور المعادي في الذاكرة الجمعية للمصريين، من خلال تحليل صورتها في السينما والمسلسلات المصرية.

توثيق شامل للهوية البصرية والذكريات

يضم الكتاب، الذي يمتد على 180 صفحة ملونة، مجموعة كبيرة من الصور النادرة التي توثق المعادي القديمة، وتقدم لمحة عن الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة فيها. لا تقتصر أهمية هذه الصور على تقديم مشاهد بصرية نادرة، بل تعتبر وثائق تاريخية تسجل تفاصيل دقيقة عن المكان، وتساعد في فهم تطوره عبر الزمن.

بالإضافة إلى الصور، يتضمن الكتاب دراسات وتحليلات معمقة قدمها متخصصون في مجالات العمارة والتخطيط والتراث. وت ناقشت الندوة قضايا مثل تحول المعادي من “مدينة اللاندسكيب” إلى “مدينة الخرسانة”، وتأثير هذا التحول على هويتها المعمارية والبيئية. ويؤكد المشاركون على أهمية التوازن بين التطور الحضاري والحفاظ على التراث الثقافي والجمالي للمعادي.

كما يركز الكتاب على أهمية الحواس في تشكيل الذاكرة الجماعية للمكان، ويصف الأصوات والروائح والمشاهد التي تميز المعادي، مثل أصوات العصافير والطيور المهاجرة، ورائحة الزهور والأشجار، ومشهد ركوب الدراجات في شوارعها الواسعة، كما أوضحت الدكتورة منى زكريا.

من المتوقع أن يقوم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري بتوزيع الكتاب على المكتبات والمؤسسات الثقافية، وأن يساهم في تعزيز الوعي بأهمية المعادي كنموذج للتخطيط الحضاري والحفاظ على التراث. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من جهود أكبر يبذلها الجهاز لتوثيق وتأهيل المناطق التاريخية في القاهرة، وحماية هويتها الثقافية والجمالية. ومن الأمور التي تستحق المتابعة، تحديد آليات تنفيذ توصيات الكتاب على أرض الواقع، لضمان الحفاظ على الطابع المميز للمعادي في مواجهة التحديات التنموية.

شاركها.