بعد انتهاء عملية خروج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من حلب، تتجه الأنظار نحو مستقبل هذه القوات والمناطق التي تسيطر عليها في شمال وشرق سوريا، في ظل تلميحات إلى أن هذه العملية قد تستند إلى اتفاقيات سابقة. وأكدت الحكومة السورية التزامها ببسط الأمن وإعادة الحياة الطبيعية إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بعد أن أعلنت القوات خروج آخر عناصرها.

يقول مراقبون إن تطورات حلب الأخيرة قد تكون مرتبطة بـ“خريطة طريق منبج” التي تم التوصل إليها عام 2018، والتي تعهدت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق غرب الفرات. وتسعى الأطراف المعنية إلى فهم الآثار المترتبة على هذه التطورات، خاصة بالنسبة للمفاوضات الجارية حول مستقبل سوريا بشكل عام.

خريطة طريق منبج وعلاقتها بتطورات حلب

يرى المحلل السياسي السوري رياض الحسن أن ما حدث في حلب هو تطبيق لما نصت عليه “خريطة طريق منبج” التي تم الاتفاق عليها بين وزيري الخارجية التركي والأمريكي في يونيو 2018. أشار إلى أن هذه الخريطة تضمنت إخلاء مناطق غرب الفرات من عناصر قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما كان يمثل مطلبًا رئيسيًا للطرف التركي.

وأضاف الحسن أن الاتفاق السابق يدعم بشكل غير مباشر العملية الأخيرة في حلب، وأن التصريحات الأمريكية الأخيرة تعكس دعمًا للحكومة السورية في هذا السياق. يؤكد هذا التحليل على أن التطورات في حلب لم تحدث في فراغ، بل كانت جزءًا من سلسلة من المفاوضات والاتفاقيات الإقليمية والدولية.

الوضع في مناطق شرق الفرات

لا تزال مناطق شرق الفرات تشكل نقطة تركيز رئيسية للمفاوضات. يقول الحسن إن الوضع في هذه المناطق يختلف عن غرب الفرات، بسبب استمرار تطبيق اتفاق 10 مارس 2025، والذي لا يزال يحظى بدعم أمريكي. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي عملية عسكرية في شرق الفرات قد تؤثر على جهود التحالف الدولي ضد داعش، وعلى سجون ومخيمات عناصر التنظيم وعائلاتهم.

لذلك، يتوقع أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا مكثفة على قوات سوريا الديمقراطية لتطبيق الاتفاقيات القائمة، وتجنب أي تصعيد في شرق الفرات. الهدف من هذه الضغوط هو الحفاظ على استقرار المنطقة، وضمان استمرار مكافحة الإرهاب.

الوضع في الجنوب السوري

وفيما يتعلق بالجنوب السوري، يشير الحسن إلى جهود المبعوث الأمريكي توماس براك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي لتطبيق “اتفاق خريطة السويداء”. يتوقع أن تتخذ الحكومة السورية نهجًا أكثر حذرًا في الجنوب، لإعطاء فرصة للضغوط الأمريكية على العناصر المسلحة المحلية للقبول بالاتفاق.

يعد اتفاق السويداء خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار في جنوب سوريا، ويتضمن تدابير لضمان الأمن وتفعيل المؤسسات الحكومية. ومع ذلك، لا يزال هناك بعض المقاومة من قبل بعض الجماعات المسلحة، مما يتطلب جهودًا دبلوماسية مكثفة.

الوضع على الساحل السوري

أما على الساحل السوري، فتستمر الاشتباكات العسكرية مع فلول الجماعات المسلحة، ولكنها تتركز في المناطق الجبلية بعيدًا عن المدن. يأتي هذا التكتيك حرصًا على المدنيين، وتجنبًا لتكرار الأحداث التي وقعت في مارس 2025. تسعى الحكومة السورية إلى استكمال سيطرتها على كامل الأراضي السورية، ولكنها تفضل اتباع نهج تدريجي لتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح.

مستقبل قوات سوريا الديمقراطية

يشير الباحث إلى أن المجموعات المتشددة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني قد ترفض تسليم كامل المنطقة شمال شرقي سوريا للحكومة السورية، وتسعى بدلاً من ذلك إلى الاحتفاظ بمنطقة حدودية في المثلث السوري – العراقي – التركي. ستستغل هذه المجموعات هذه المنطقة لمواصلبة ما تسميه “الكفاح المسلح”، وهو ما يثير قلقًا بالغًا في أنقرة.

وتثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية ودورها في مستقبل سوريا. هل ستتحول هذه القوات إلى قوة سياسية؟ أم أنها ستندمج في الجيش السوري؟ أم أنها ستستمر في العمل كقوة مستقلة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل سوريا في السنوات القادمة.

من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين الأطراف المعنية بشأن مستقبل سوريا، وأن تشهد المنطقة المزيد من التطورات في الفترة المقبلة. سيكون من المهم متابعة هذه التطورات عن كثب، وفهم الآثار المترتبة عليها على المنطقة بأسرها. سيظل مستقبل سوريا غير مؤكد، ويتوقف على قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى حلول سياسية شاملة.

شاركها.