أعربت الأسواق المالية عن قلق متزايد يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما أثار تساؤلات حول استقلالية الفيدرالي. وتأتي هذه المخاوف في وقت يحاول فيه المستثمرون تقييم مسار أسعار الفائدة وتأثيرها المحتمل على النمو الاقتصادي، بعد سنوات من اعتبار استقلالية البنك المركزي أمرًا مسلمًا به.
قلق متزايد بشأن استقلالية الفيدرالي وتأثيره على الأسواق
شهدت بورصة نيويورك انخفاضًا ملحوظًا، حيث تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.3٪، في حين انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.9٪. يعكس هذا الانخفاض قلق المستثمرين بشأن التدخل السياسي المحتمل في قرارات البنك المركزي، وخاصة فيما يتعلق بسياسة أسعار الفائدة. ووفقًا لـ “أسوشيتد برس”، فقد ارتفعت أسعار الذهب، وهو ملاذ آمن تقليدي، بينما تراجع الدولار الأمريكي مقابل عملات رئيسية مثل اليورو والفرنك السويسري.
ويأتي هذا التطور بعد أن كشفت تقارير إعلامية عن قيام وزارة العدل الأمريكية باستدعاء مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك الرئيس جيروم باول، في إطار تحقيق يتعلق بأعمال التجديد في مقر المجلس. تعتبر بعض الأطراف هذا التحقيق بمثابة محاولة للضغط على الفيدرالي، وفقًا لتقارير، خاصةً وأن الرئيس السابق دونالد ترامب قد انتقد علنًا باول وسياسة رفع أسعار الفائدة التي اتبعها.
ردود الفعل من البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي
وصف الرئيس باول التحقيق بأنه “ذريعة” محتملة للتدخل في قرارات البنك المركزي، مؤكدًا أن تحديد أسعار الفائدة يعتمد على “أفضل تقييم للمصلحة العامة” وليس على “رغبات الرئيس”. وفي المقابل، صرح الرئيس الحالي جو بايدن بأنه لم يكن على علم بالتحقيق، مضيفًا أنه لا يرغب في التدخل في عمل الفيدرالي المستقل. ومع ذلك، يظل القلق قائمًا.
بالإضافة إلى ذلك، أثار الرئيس ترامب جدلاً واسعًا بإعلانه عن دعمه لفكرة وضع سقف على أسعار الفائدة لبطاقات الائتمان، مما أدى إلى تراجع أسهم شركات بطاقات الائتمان الكبرى مثل كابيتال وان فاينانشال وأمريكان إكسبريس. يمكن أن يؤثر هذا الإجراء المحتمل على ربحية هذه الشركات وعلى النظام المالي بشكل عام.
تاريخ استقلالية الفيدرالي وأهميتها
منذ تأسيسه في عام 1913، عمل مجلس الاحتياطي الفيدرالي تقليديًا بشكل مستقل عن السلطة السياسية، واتخذ قراراته بناءً على تقييمات اقتصادية فنية. تهدف هذه الاستقلالية إلى حماية البنك المركزي من الضغوط السياسية قصيرة الأجل، وتمكينه من اتخاذ قرارات تخدم المصلحة الاقتصادية طويلة الأجل. يُعد الحفاظ على استقلالية البنك المركزي من الركائز الأساسية للاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام، وفقًا لخبراء الاقتصاد.
ويتأتى هذا الاستقلال عن طريق تعيين أعضاء مجلس المحافظين من قبل الرئيس الأمريكي، مع تأكيد مجلس الشيوخ، ومنحهم ولايات محددة طويلة الأجل. يهدف هذا النظام إلى ضمان توازن بين المساءلة السياسية والاستقرار الفني.
التأثيرات المحتملة لتقويض الاستقلالية
يثير احتمال تقويض استقلالية الفيدرالي مخاوف بشأن فقدان المصداقية، وزيادة التقلبات في الأسواق المالية، وتدهور الثقة في الاقتصاد الأمريكي. إذا اعتقد المستثمرون أن قرارات البنك المركزي تتأثر بالاعتبارات السياسية، فقد يترددون في الاستثمار في الولايات المتحدة. وأيضًا، قد يؤدي ذلك إلى تفاقم التضخم أو إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. ويشير التحليل المالي إلى أن تعافي أسواق الأسهم قد يكون محدودًا في ظل هذه الظروف.
وفي المقابل، شهدت الأسواق العالمية أداءً متفاوتًا. ففي حين تراجعت الأسهم الأمريكية، ارتفعت مؤشرات الأسهم في معظم أنحاء أوروبا، مع تسجيل مكاسب كبيرة في هونغ كونغ وشنغهاي بعد إعلان قادة الصين عن حزمة جديدة من الإجراءات لدعم الاقتصاد. يعكس هذا التباين تنوع التوقعات الاقتصادية والسياسية في مختلف أنحاء العالم.
ما الذي ينتظرنا؟
يبدو أن المخاوف بشأن استقلالية الفيدرالي ستستمر في التأثير على الأسواق المالية في الأيام والأسابيع المقبلة. ينتظر المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة وتصريحات من مسؤولي البنك المركزي للحصول على مزيد من الوضوح بشأن مسار أسعار الفائدة. ومن المتوقع أن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي باتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل في شهر مايو، وسيكون هذا القرار حاسمًا في تحديد مستقبل الاقتصاد الأمريكي.
ويتعين متابعة تطورات التحقيق الجاري في وزارة العدل الأمريكية، وأيضًا ردود الفعل المحتملة من الكونجرس. في غضون ذلك، من المرجح أن تظل الأسواق المالية في حالة ترقب وحذر.
