أعلنت الجزائر عن مبادرة تهدف إلى تسوية أوضاع المعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج، مما أثار ردود فعل متباينة. تتيح هذه الإجراءات، التي أعلن عنها مجلس الوزراء برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، العودة إلى الوطن لفئات معينة من الشباب الجزائري الذين يواجهون أوضاعًا غير قانونية، ولكن بشروط محددة. وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول دوافعها الحقيقية ومدى التزامها بالتصالح الوطني الشامل.
الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين بشروط
أكد بيان مجلس الوزراء أن الرئيس تبون وجه نداءً إلى الشباب الجزائري في الخارج، الذين يصفهم بأنه تم “دفعهم إلى الخطأ عمدًا” من قبل جهات تسعى إلى الإساءة لسمعة الدولة. ويهدف هذا النداء إلى تمكين هؤلاء الشباب من العودة إلى وطنهم، مع التأكيد على أن المبادرة تستهدف بشكل أساسي أولئك الذين ارتكبوا “جنحًا صغيرة” أو كانوا ضحايا لظروف قاهرة.
وتأتي هذه المبادرة في ظل تقارير إعلامية تتحدث عن ارتفاع عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وتتهم السلطات الجزائرية جهات غير محددة باستغلال هذه الهجرة لتشويه صورة البلاد، زاعمة أن بعض هؤلاء المهاجرين يتم استخدامهم في أعمال إجرامية أو ضد مصالح الجزائر.
شروط العودة والإقصاء
وفقًا للبيان، ستتكفل القنصليات الجزائرية في الخارج بتنفيذ الإجراءات اللازمة لتسوية أوضاع الراغبين في العودة، شريطة التزامهم بعدم ممارسة أي نشاط يعارض الدولة. ومع ذلك، تستثني المبادرة فئات محددة، بما في ذلك المتورطين في “جرائم إراقة الدماء والمخدرات وتجارة الأسلحة” وكل من تعاون مع أجهزة أمنية أجنبية بهدف المساس بأمن الجزائر. هذا الاستثناء يثير جدلاً حول تعريف “الجرائم” و”المساس بأمن الوطن”، ويخشى البعض من استخدامه لتصفية حسابات سياسية.
يُفهم من هذه الشروط أن المبادرة تستهدف بشكل خاص المعارضين السياسيين الذين تعرضوا لملاحقات قضائية غيابياً بسبب انتمائهم إلى تنظيمات تعتبرها السلطات الجزائرية “إرهابية”، مثل حركة تقرير مصير القبائل. وقد أصدرت الجزائر مذكرة اعتقال دولية ضد زعيم هذه الحركة، فرحات المهني، بعد إدانته بالسجن لمدة 20 عامًا.
بالإضافة إلى ذلك، تشمل إجراءات الإقصاء قياديي تنظيم “رشاد” الإسلامي، الذين يتواجدون في بريطانيا وسويسرا، وعشرات الصحافيين والناشطين الحقوقيين الذين غادروا الجزائر في السنوات الأخيرة بسبب الضغوط الأمنية والملاحقات القضائية.
ردود الفعل والانتقادات
تباينت ردود الفعل حيال هذه المبادرة. فقد رحبت حركة البناء الوطني بها، واعتبرتها “بادرة للتصالح الوطني” و”خطوة إيجابية لترقية التلاحم الوطني”. من جهته، أشاد البرلماني عبد الوهاب يعقوبي، ممثل الجالية الجزائرية في فرنسا، بالقرار ووصفه بأنه “حكيم” و”يفتح آفاقًا جديدة للإدماج”.
في المقابل، أعربت بعض الأطراف عن تحفظها وانتقدت الشروط المرفقة بالمبادرة. واعتبر سعيد صالحي، القيادي في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المحظورة، أن ما هو مطلوب فعليًا هو “تصويب حقيقي للمسار” من خلال “إصدار عفو شامل وإنهاء القمع وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الجائرة”. وأشار إلى أن الإعلان عن هذه الإجراءات يأتي في وقت تتجاهل فيه السلطات نداءات إطلاق سراح الشباب المعتقلين.
كما انتقدت منصة “إذاعة من لا صوت لهم”، التي تضم معارضين جزائريين في الخارج، المقاربة التي تنطوي عليها المبادرة، واصفة إياها بأنها “تشبه في جوهرها طلب الولاء أكثر من كونها انفتاحاً سياسياً حقيقياً”.
تعتبر قضية الهجرة غير الشرعية من القضايا الحساسة في الجزائر، حيث تتهم الحكومة أطرافًا خارجية باستغلالها للضغط على البلاد. وتأتي هذه المبادرة في سياق جهود الحكومة لتهدئة التوترات الداخلية والخارجية، وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي. الوضع السياسي الجزائري (الكلمة المفتاحية الثانوية) لا يزال معقداً، وتعتبر هذه المبادرة محاولة لمعالجة بعض جوانبه.
من المتوقع أن تعلن الحكومة الجزائرية عن تفاصيل إضافية حول آليات تنفيذ هذه المبادرة في الأيام القادمة. وسيتعين على المعنيين بها تقديم طلبات إلى القنصليات الجزائرية في الخارج، وتقديم تعهدات بعدم ممارسة أي نشاط يعارض الدولة. يبقى أن نرى مدى نجاح هذه المبادرة في تحقيق أهدافها المعلنة، وما إذا كانت ستساهم في تعزيز التماسك الوطني أو ستثير مزيداً من الجدل والانتقادات. ستكون متابعة الإجراءات التي ستتخذها السلطات بشأن المعتقلين (الكلمة المفتاحية الثانوية) والتطورات المتعلقة بحركة تقرير مصير القبائل من الأمور التي يجب مراقبتها عن كثب.
