أظهرت دراسات حديثة انتشار ظاهرة التشخيص الذاتي للأمراض بين الشباب، وخاصةً جيل Z، وذلك نتيجة الاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في تفسير الأعراض الصحية. ويؤكد الأطباء أن هذا الاتجاه يثير قلقاً بالغاً، حيث يؤدي إلى تفاقم القلق الصحي وزيادة الضغط النفسي على هذه الفئة العمرية، بالإضافة إلى إرباك المشهد الطبي وزيادة الطلب على فحوصات غير ضرورية.

وتشير التقارير إلى أن هذا السلوك ليس مقتصراً على دولة الإمارات العربية المتحدة، بل هو اتجاه عالمي يزداد حدة مع تطور التكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الطبية عبر الإنترنت. ومع ذلك، يبدو أن هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجتمعات التي تشهد ارتفاعاً في مستويات الوعي الصحي، ولكنها في الوقت ذاته تفتقر إلى آليات تمييز المعلومات الموثوقة من غير الموثوقة.

تزايد القلق الصحي والتشخيص الذاتي

أفاد استشاريو طب الأسرة بأنهم يشهدون ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المرضى الذين يراجعون العيادات مدفوعين بالخوف من الإصابة بأمراض خطيرة، مثل أمراض القلب والسرطان والجلطات، والاكتئاب. ويتبين في كثير من الأحيان أن هؤلاء المرضى لا يعانون من أي أمراض عضوية، وأن أعراضهم ناتجة عن قلق شديد أو نوبات هلع.

ويعزو الأطباء هذا التزايد إلى عدة عوامل، من بينها الانفجار غير المسبوق للمعلومات الطبية عبر الإنترنت، والتي غالباً ما تكون غير مفلترة أو غير دقيقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضغوط الحياة المتسارعة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الشباب تساهم في زيادة مستويات القلق لديهم.

تأثير الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الصحة

يلعب الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الصحة دوراً كبيراً في هذه الظاهرة. ففي حين أن هذه الأدوات يمكن أن تكون مفيدة في توفير معلومات عامة عن الصحة، إلا أنها غالباً ما تقدم تشخيصات مبسطة أو مبالغ فيها، مما يزيد من قلق المرضى. كما أن الاعتماد على هذه التطبيقات يمكن أن يؤدي إلى تأخير طلب الرعاية الطبية المناسبة.

ويؤكد الأطباء أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك السياق الطبي الكامل ولا يمكنه أن يحل محل الطبيب البشري. فالطبيب يعتمد على التاريخ المرضي والفحص السريري والخبرة المهنية لتقديم تشخيص دقيق وخطة علاج مناسبة.

الآثار السلبية للتشخيص الذاتي

يمكن أن يكون للتشخيص الذاتي آثار سلبية خطيرة على الصحة النفسية والجسدية. فالقلق المستمر من المرض يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في النوم والشهية والتركيز، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق العام. كما أن التشخيص الذاتي يمكن أن يدفع المرضى إلى إجراء فحوصات وإجراءات طبية غير ضرورية، مما يعرضهم لمخاطر صحية إضافية.

وفي بعض الحالات، قد يلجأ المرضى إلى السفر إلى الخارج لإجراء قسطرة قلبية أو مناظير أو فحوصات تدخلية أخرى لا داعي لها، وذلك للتخلص من الوسواس والتفكير المفرط. وهذه الممارسات تشكل عبئاً صحياً ونفسياً كبيراً، وتزيد من التكاليف الطبية.

اضطراب القلق المرضي كتشخيص

يُعرّف الأطباء النفسيون الخوف المستمر من المرض بأنه اضطراب القلق المرضي، وهو حالة طبية حقيقية تتطلب العلاج. ويتميز هذا الاضطراب بتفكير مفرط في الأعراض الجسدية وتفسيرها على أنها علامات على وجود مرض خطير، على الرغم من الطمأنة الطبية المتكررة.

ويؤكدون أن علاج القلق هو نقطة التحول الحقيقية في التعامل مع هذه الحالات. ويشمل العلاج عادةً العلاج النفسي والأدوية المضادة للقلق، بالإضافة إلى تغيير نمط الحياة وتبني استراتيجيات صحية للتعامل مع التوتر.

مستقبل الرعاية الصحية النفسية

مع استمرار تطور التكنولوجيا وزيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية، من المتوقع أن تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة المزيد من الاستثمارات في هذا المجال. وتشمل هذه الاستثمارات تطوير خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، وتدريب المزيد من المتخصصين في الصحة النفسية، وزيادة الوعي بأهمية طلب المساعدة عند الحاجة.

وتشير التوقعات إلى أن وزارة الصحة ووقاية المجتمع ستطلق مبادرات جديدة في القريب العاجل لتعزيز الصحة النفسية للمجتمع، وخاصةً فئة الشباب. ومن بين هذه المبادرات حملات توعية حول مخاطر التشخيص الذاتي وأهمية طلب الرعاية الطبية المناسبة. يبقى التحدي الأكبر هو تغيير الثقافة المجتمعية تجاه الصحة النفسية وتقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها.

شاركها.