أكدت المحكمة المدنية الابتدائية في دبي مبدأً هاماً في القانون المدني يتعلق بـالأمر المقضي به، وذلك برفضها دعوى تهدف إلى إعادة النظر في نزاع مالي قد حُسم نهائياً بحكم سابق. وقد قضت المحكمة بعدم جواز النظر في الدعوى المطالبة ببراءة ذمة مدين عربي من تحويل بنكي بقيمة 4.5 مليون درهم، مؤكدةً أن إعادة طرح نفس النزاع بصياغات قانونية مختلفة لا يغير من حقيقة أن القضية قد استنفدت جميع مراحل التقاضي.

تعود تفاصيل القضية إلى مطالبة المدعي بإثبات براءة ذمته من مبلغ مالي تم تحويله إلى حسابه قبل عدة سنوات، مدعياً وجود نزاع سابق يتعلق بهذه الأموال. ومع ذلك، كشفت إجراءات التحقيق أن هذا النزاع قد تم الفصل فيه بشكل نهائي من قبل محاكم الدولة، وأن الحكم الصادر قد اكتسب قوة الأمر المقضي به.

أهمية مبدأ الأمر المقضي به في القضاء الإماراتي

يمثل مبدأ الأمر المقضي به ركيزة أساسية في النظام القضائي، يهدف إلى تحقيق الاستقرار القانوني ومنع تضارب الأحكام. وينص هذا المبدأ على أنه لا يجوز إعادة طرح نفس النزاع أمام القضاء مرة أخرى بعد صدور حكم نهائي فيه، حتى لو كانت هناك أدلة أو دفوع جديدة. وتعتبر هذه القاعدة ضرورية لضمان سرعة الفصل في المنازعات وتجنب إطالة أمد التقاضي بلا ضرورة.

خلفية القضية وتطوراتها

بدأت القضية بتحويل مالي قدره 1.065 مليون يورو إلى حساب المدعي في عام 2016، ضمن إطار علاقة استثمارية بين عائلته وبين شركة تجارية أخرى. لاحقًا، تعثرت هذه العلاقة وتحولت إلى نزاع قضائي، مما أدى إلى إصدار حكم نهائي يلزّم المدعي بسداد المبلغ مع الفوائد القانونية. وقد أيدت محكمتا الاستئناف والتمييز هذا الحكم، مما جعله نهائيًا وملزمًا.

ومع ذلك، عاد المدعي بعد مرور سنوات ليقدم دعوى جديدة يطالب فيها ببراءة ذمته من نفس المبلغ، مستندًا إلى صياغة قانونية مختلفة. إلا أن المحكمة رفضت هذا الطلب، مؤكدةً أن جوهر الدعوى هو ذات الدين الذي سبق الفصل فيه.

حجية الأمر المقضي به تتجاوز الأخطاء القانونية

أوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن قوة الأمر المقضي به لا تقتصر على صحة الحكم أو خطئه في تطبيق القانون. بل إن هذه الحجية تمتد لتشمل حتى الأخطاء الإجرائية أو عدم استيفاء شروط الدعوى. يأتي هذا التأكيد لحماية حقوق المدعى عليهم ومنع أي محاولة لعرقلة تنفيذ الأحكام القضائية النهائية.

وتؤكد المحكمة أن الهدف من هذه القاعدة هو حماية المعاملات التجارية وحسن سير العدالة. ووفقًا للمحكمة، الأصل في الذمة البراءة، ولكن بمجرد أن تثبت المحكمة وجود دين محدد في حق المدين، فإنه لا يجوز له العودة ومحاولة الطعن في هذا الدين مرة أخرى.

التعويض المدعي عنه

بالإضافة إلى طلبه براءة الذمة، طالب المدعي بتعويض عن أضرار ادعى أنها لحقت به نتيجة الملاحقة القضائية. إلا أن المحكمة رأت أنه لا يوجد أي خطأ قانوني يمكن أن يستند إليه طلب التعويض، حيث إن قيام المدعى عليهم بمتابعة حقوقهم أمام القضاء لا يشكل في حد ذاته أي ضرر. وبالتالي، رفضت المحكمة طلب التعويض المقدم من المدعي.

الخلاصة والتوقعات المستقبلية

أكدت هذه القضية من جديد أهمية احترام الأمر المقضي به في القضاء الإماراتي، وضرورة التزام الأفراد والأحكام القضائية النهائية. وتهدف هذه المبادئ إلى ضمان استقرار النظام القضائي وحماية حقوق جميع الأطراف. من المتوقع أن تظل هذه القاعدة القانونية سارية المفعول، وأن يتم تطبيقها على جميع القضايا المماثلة في المستقبل. ويبقى على المدعي استكشاف سبل أخرى، إن وجدت، بعيدًا عن إعادة طرح النزاع نفسه على المحكمة.

شاركها.