تدور ليبيا في حلقة مفرغة من تشكيل اللجان المختلفة، والتي تهدف إلى معالجة الخلافات السياسية والمصالح المتضاربة التي تعيق الاستقرار في البلاد. منذ سقوط نظام معمر القذافي، شهدت ليبيا إنشاء عدد كبير من هذه اللجان، بدءًا من تلك المعنية بالمصالحة الوطنية وصولًا إلى اللجان التي تهدف إلى وضع قوانين جديدة، لكن النتائج غالبًا ما تكون غير ملموسة، مما يزيد من الشعور بالإحباط لدى الليبيين. هذه المتاهة من اللجان تعمق الانقسام السياسي القائم وتعيق المسار نحو حل شامل للأزمة الليبية.

وكثيراً ما يتم الإعلان عن تشكيل لجان جديدة برعاية أممية أو محلية، لكن سرعان ما تتلاشى هذه المبادرات في ظل غياب الإرادة السياسية والتوافق بين الأطراف المعنية. أصبح تشكيل اللجان أمرًا روتينيًا، لدرجة أن البعض يسخر بأن الليبيين يعرفون عدد اللجان أكثر من معرفتهم بوجوه بعضهم البعض، وكما قال أكرم النجار، رئيس تحرير منصة “علاش” ساخرًا.

أزمة لجان المصالحة الوطنية: حلقة مفرغة أم ضرورة مؤقتة؟

تعتبر لجنة “المصالحة الوطنية” من أبرز اللجان التي تم تشكيلها في ليبيا، حيث تسعى إلى تحقيق المصالحة بين مختلف الفصائل والمكونات الاجتماعية والسياسية. ومنذ توليه منصبه في فبراير 2021، أولى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي اهتمامًا خاصًا بهذا الملف، لكنه لم يحقق حتى الآن تقدمًا ملموسًا بسبب حالة التشظي السياسي والاجتماعي التي تعاني منها البلاد.

وفي سبتمبر 2025، افتتح المنفي الاجتماع السابع للجنة التحضيرية لمشروع المصالحة، بحضور ممثلين عن الاتحاد الأفريقي ودول اللجنة رفيعة المستوى المعنية بليبيا والبعثة الأممية. وأكد المنفي على أهمية الإرادة الصادقة والتنازلات الشجاعة لتحقيق المصالحة، لكن هذه التصريحات لم تترجم إلى خطوات عملية على الأرض.

تعدد اللجان وتداخل الصلاحيات

بالإضافة إلى لجنة المصالحة الوطنية، تشكلت لجان أخرى لمعالجة قضايا مختلفة، مثل لجنة تقصي الحقائق التي بحثت في حالة حقوق الإنسان في ليبيا، واللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5) التي تهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار وتنفيذ اتفاقيات أمنية. كما شكل مجلس النواب و”المجلس الأعلى للدولة” لجنة (6 + 6) لمناقشة قانوني الانتخابات.

هذا التعدد في اللجان وتداخل صلاحياتها أدى إلى حالة من الارتباك والتعقيد، وصعّب من مهمة التوصل إلى حلول شاملة للأزمة الليبية. وكثيرًا ما تتوالد لجان فرعية من لجان عامة، مما يزيد من التكاليف ويعيق عملية صنع القرار.

ويرى ضو المنصوري، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، أن الإفلاس السياسي هو الإطار المسيطر على إدارة الدولة في ليبيا، وأن اللجان تستخدم لتحقيق مكاسب سياسية من قبل الأطراف المتنازعة. وأضاف أن تشكيل اللجان أصبح وسيلة لتأجيل اتخاذ القرارات الصعبة وتجنب تحمل المسؤولية.

وفي سياق متصل، أبدت المحكمة الدستورية العليا رفضها القاطع لتدخل البعثة الأممية في الشأن القضائي الدستوري، من خلال تشكيل “جهود وساطة” حول القضاء الدستوري، واعتبرت ذلك تدخلًا غير مقبول. وطالبت المحكمة بسحب العبارات التي تمس القضاء الليبي من إحاطة سابقة للبعثة أمام مجلس الأمن.

تأثير الانقسام السياسي على عمل اللجان

يعتبر الانقسام السياسي العميق بين الأطراف الليبية من أبرز العوامل التي تعيق عمل اللجان المختلفة. فكل طرف يسعى إلى فرض رؤيته الخاصة وتجنب التنازلات، مما يجعل من الصعب التوصل إلى توافق حول القضايا الرئيسية. هذا الانقسام يمتد إلى جميع المؤسسات الحكومية، بما في ذلك اللجان التي يفترض بها أن تكون محايدة وغير حزبية.

علاوة على ذلك، فإن غياب الثقة بين الأطراف السياسية يعيق عملية التعاون والتنسيق بين اللجان. فكل طرف يشك في نوايا الآخر ويتهمه بمحاولة عرقلة جهود الحل. وهذا الشك المتبادل يؤدي إلى تبادل الاتهامات وتعطيل عمل اللجان.

المشكلة تتفاقم بسبب التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجهها ليبيا، مثل انتشار الجماعات المسلحة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. هذه التحديات تخلق بيئة غير مواتية لعمل اللجان وتعيق من قدرتها على تحقيق أهدافها.

الجدير بالذكر، أن البعثة الأممية لا تزال تطلق مبادرات جديدة، مثل تشكيل لجنة استشارية لتقديم مقترحات لحل القضايا الخلافية العالقة من أجل تمكين إجراء الانتخابات، ولجنة من 124 شخصية لإدارة «الحوار المهيكل». وتعكس هذه الخطوات استمرار الجهد الأممي الرامي إلى إيجاد حل للأزمة الليبية، لكنها أيضًا تثير تساؤلات حول مدى جدوى هذه المبادرات في ظل الانقسام السياسي القائم.

في الختام، يظل الوضع في ليبيا معلقًا على نتائج جهود المصالحة والحوار، مع ترقب أي تطورات جديدة في عمل اللجان المختلفة. من المتوقع أن تستمر البعثة الأممية في جهودها للوساطة وتسهيل الحوار بين الأطراف الليبية، لكن نجاح هذه الجهود يعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية والتوافق بين الأطراف المعنية. وما زال الغموض يكتنف مستقبل ليبيا، وما إذا كانت ستتمكن من تجاوز أزمتها والخروج من دائرة العنف والاضطراب.

شاركها.