حذّر أطباء متخصصون من المخاطر الصحية والنفسية المتزايدة المرتبطة بما يُعرف بـ”الرفاه الزائد”، مشيرين إلى أن التغيرات في أنماط الحياة الحديثة، من قلة النشاط البدني إلى الاعتماد المفرط على التكنولوجيا والاستهلاك العالي، قد ساهمت في ظهور وتفاقم مجموعة واسعة من الأمراض. وأكدوا أن هذه الأنماط غير الصحية تؤثر بشكل متزايد على فئات عمرية أصغر، مما يستدعي اتخاذ تدابير وقائية وعلاجية.
وأشار الخبراء إلى أن هذه التحولات في نمط الحياة لم تعد تقتصر على الدول المتقدمة، بل بدأت تظهر بشكل ملحوظ في المجتمعات العربية، مما يتطلب توعية مجتمعية وجهودًا مشتركة من القطاعات الصحية والتعليمية لمواجهة هذه التحديات المتزايدة.
تأثير الرفاه الزائد على الصحة الجسدية
أوضح الأطباء أن قلة الحركة والاستخدام المفرط للتكنولوجيا وسهولة الحصول على الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية قد أدت إلى زيادة انتشار الأمراض المزمنة غير السارية. وتشمل هذه الأمراض السمنة، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وبعض أنواع السرطان.
وأضافوا أن الجلوس لفترات طويلة يضعف العضلات ويقلل من كثافة العظام، مما يزيد من خطر الإصابة بآلام الظهر والمفاصل، وهشاشة العظام. كما أن قلة النشاط البدني تؤثر سلبًا على عملية التمثيل الغذائي، مما يؤدي إلى تراكم الدهون وزيادة الوزن.
الأكل العاطفي وسوء التغذية
سلط الخبراء الضوء على ظاهرة “الأكل العاطفي” التي أصبحت منتشرة بشكل متزايد، حيث يلجأ الأفراد إلى الطعام كوسيلة للتعامل مع التوتر والقلق والاكتئاب. غالباً ما تكون هذه الوجبات غنية بالسكر والدهون، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية.
وأشاروا إلى أن الوفرة الغذائية قد تؤدي إلى سوء التغذية، ليس بسبب نقص الغذاء، بل بسبب الاعتماد على الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة التي تفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية. وقد يؤدي ذلك إلى نقص الفيتامينات والمعادن الضرورية لصحة الجسم.
الآثار النفسية للرفاه الزائد
لا تقتصر آثار الرفاه الزائد على الصحة الجسدية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الصحة النفسية. فقد أشار الأطباء إلى أن السعي المستمر نحو الراحة والإشباع السريع يمكن أن يؤدي إلى الاكتئاب والقلق والشعور بالفراغ الداخلي.
وأوضحوا أن الإنسان يحتاج إلى تحديات وأهداف يسعى لتحقيقها ليشعر بالمعنى والرضا في الحياة. وعندما تكون الحياة خالية من هذه التحديات، قد يشعر الأفراد بالملل والضياع، مما يزيد من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية.
تراجع القدرة على التحمل النفسي
وأضاف الخبراء أن الترف المفرط قد يؤدي إلى تراجع القدرة على التحمل النفسي، حيث يصبح الأفراد أقل صبرًا على الإحباط والتحديات. وهذا يمكن أن يؤثر سلبًا على علاقاتهم الاجتماعية وقدرتهم على التعامل مع ضغوط الحياة.
وأكدوا أن المرونة النفسية تتطور من خلال مواجهة الصعاب والتغلب عليها. ونمط الحياة القائم على الراحة والإشباع الفوري يحرم الأفراد من هذه الفرص، مما يجعلهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية.
وفي سياق متصل، ذكرت أخصائية التغذية العلاجية أن سهولة الحصول على الطعام لا تعني بالضرورة تغذية صحية. فالإفراط في استهلاك الأطعمة عالية السعرات والفقيرة بالعناصر الغذائية يمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، مثل السمنة وأمراض القلب والسكري.
كما أشارت أخصائية الطب النفسي إلى أن العزلة الاجتماعية، على الرغم من توفر وسائل التواصل الحديثة، أصبحت ظاهرة مقلقة. فالتواصل الرقمي غالبًا ما يفتقر إلى العمق العاطفي والاحتواء الإنساني، مما يزيد من الشعور بالوحدة والاكتئاب.
يستمر الخبراء في التأكيد على أهمية تبني نمط حياة صحي ومتوازن، يجمع بين النشاط البدني والتغذية الصحيحة والتواصل الاجتماعي الفعال. ومن المتوقع أن تصدر وزارة الصحة قريبًا توصيات جديدة بشأن تعزيز الصحة النفسية والبدنية في المجتمع، بما يتضمن برامج توعية وحملات وقائية تستهدف مختلف الفئات العمرية. يراقب المراقبون أيضًا تأثير هذه التوصيات على معدلات انتشار الأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية في السنوات القادمة.
