نظم المعهد الملكي للفنون التقليدية “وِرث” في الرياض معرضاً فنياً ضخماً في مطلع عام 2026، اختتم فعاليات عام الحرف اليدوية 2025. ضم المعرض أكثر من 550 عملاً فنياً من إنتاج 173 طالباً وطالبة، يمثلون نتاج أكثر من 30 ألف ساعة عمل ضمن برامج تعليمية متنوعة. يهدف المعرض إلى إبراز الفنون التقليدية السعودية وتعزيز مكانتها كجزء حيوي من الهوية الثقافية الوطنية، مع التركيز على التجديد والإبداع في هذه المجالات.
يُعد هذا المعرض تتويجاً للجهود المبذولة في المعهد الملكي للفنون التقليدية، والذي يركز على صيانة وتطوير الحرف اليدوية السعودية العريقة. تسعى هذه المبادرة إلى نقل المعرفة والمهارات من الأجيال القديمة إلى الشباب، وتوفير منصة لعرض أعمالهم وإلهام الآخرين. يشكل المعرض كذلك فرصة للجمهور للتعرف على التراث السعودي الغني وتقديره.
العمارة والتصميم في الفنون التقليدية السعودية
استُهل المعرض بقسم خاص بالعمارة والبناء التقليدي، حيث عُرضت نماذج دقيقة من الزخارف الجصية والرسومات المعمارية المستوحاة من البيوت التاريخية في جدة. كما تضمن القسم أعمالاً فنية من الأبواب النجدية المنحوتة، تجسد مهارة الحرفيين في هذا المجال. يوضح هذا القسم العلاقة الوثيقة بين الإنسان والبيئة في التراث المعماري السعودي.
ترافق هذه الأعمال مع توثيق مرئي لمراحل البناء بالطين، بدءاً من إعداد المواد وصولاً إلى تشكيل الجدران والزخارف. يسلط هذا التوثيق الضوء على التقنيات التقليدية المستخدمة في البناء، والتي كانت تعتمد على المواد المحلية المتوفرة في البيئة.
إعادة إحياء الآلات الموسيقية التقليدية
في جناح منفصل، استعرض الطلاب أعمالهم في إعادة إحياء آلة “السمسمية” الموسيقية التقليدية، التي انتقلت إلى شمال السعودية من السودان ومصر. استخدم الطلاب مواداً غير تقليدية، مثل خيوط الصيد وعلب زيت السيارات، لصنع أجزاء الآلة، مما يعكس روح الابتكار والتجديد.
المنسوجات: ألوان ونقوش تحكي قصصاً
تألق قسم المنسوجات بأعمال فنية نسجها الطلاب من الخيوط الطبيعية، مستوحاة من جمال وتنوع التراث السعودي. تتداخل الألوان والنقوش في قطع فنية تعكس روح النسيج السعودي الأصيل، وتعبّر عن الإبداع والمهارة اليدوية.
عُرضت في هذا الجناح مجموعة مميزة من البشوت الحساوية المنسوجة يدوياً، والتي تظهر دقة وتنوع نقوش “الهيلات” المعبرة عن أصالة المنطقة. وثّقت الأعمال أيضاً رحلة الطلاب في تعلم وإتقان فن النسيج، وهو من أهم الحرف اليدوية في المملكة.
المعادن: لمسة عصرية على إرث عريق
شهد قسم المعادن والمنتجات عرضاً لأعمال فنية مبتكرة تجمع بين التقنيات التقليدية والمفاهيم المعاصرة. استخدم الطلاب تقنيات صباغة المعادن وتصميم المجوهرات لخلق أعمال فنية مستوحاة من الرموز التراثية السعودية. يبرز هذا القسم كيف يمكن للعناصر التقليدية أن تتحول إلى تصاميم حديثة تعبّر عن الهوية السعودية بلغة بصرية جديدة.
من بين أبرز المعروضات في قسم المعادن، جهاز “مبرد الفخار” الذي يعمل بتقنية التبخير الطبيعي باستخدام الطين المحلي، وهو مثال على كيفية الاستفادة من المواد الطبيعية في تصميم منتجات عملية. بالإضافة إلى ذلك، عُرضت مجوهرات مستوحاة من الشرفات النجدية صممت خصيصاً للسماعات الطبية لذوي الإعاقة السمعية، في عمل فني بعنوان “عرائس السماء” يجمع بين الجمال والوظيفة.
كما ضم المعرض عملاً فنياً بعنوان “مدارات الازدهار” وهو تركيب فني معاصر يتكون من 320 زهرة معدنية مصنوعة يدوياً من الفضة والنحاس، مستوحاة من زهور المملكة. أنجز العمل 12 طالبة خلال 20 يوماً، كجزء من برنامج تدريبي متخصص في تقنيات تشكيل المعادن.
شارك طلاب ماجستير التجهيز الفني للمتاحف والمعارض في تنظيم المعرض، مما أتاح لهم فرصة تطبيق المعارف والمهارات التي اكتسبوها في بيئة عملية. يعكس هذا النهج المبتكر مفهوم “المعرض من الطلاب… للطلاب”، والذي يربط بين التعليم الأكاديمي والممارسة المهنية.
من المتوقع أن يستمر المعهد الملكي للفنون التقليدية في تنظيم معارض مماثلة في المستقبل، بهدف دعم الحرفيين وتعزيز التراث الثقافي السعودي. وستركز الجهود القادمة على تطوير برامج تدريبية جديدة، وزيادة التعاون مع المؤسسات الثقافية، وتقديم الدعم المالي والفني للحرفيين. يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على هذه الحرف من الاندثار، وتشجيع الأجيال الشابة على ممارستها وتطويرها.
