في ظل تراجع الإنتاجات التلفزيونية الضخمة في لبنان بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، برز برنامج “يلا ندبك” كاستثناء لافت، محققًا نجاحًا غير متوقع وأعيدًا الثقة بالشاشة المحلية. البرنامج، الذي يعرض على قناة “إم تي في”، استطاع جذب جمهور واسع من مختلف المناطق والطبقات الاجتماعية، ووضع التراث اللبناني، وتحديدًا فن الدبكة اللبنانية، في دائرة الضوء، مُحفّزًا بذلك نقاشًا حول مستقبل البرامج الترفيهية والثقافية في لبنان.
انطلق البرنامج في وقت كانت فيه العديد من المحطات التلفزيونية اللبنانية تعاني من نقص حاد في الميزانيات الإعلانية والإنتاجية. ومع ذلك، تمكن “يلا ندبك” من تحقيق نسب مشاهدة عالية وتصدر “الترند” على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يدل على وجود طلب مجتمعي على هذا النوع من المحتوى.
عودة الوهج للتلفزيون اللبناني بفضل الدبكة اللبنانية
لم يكن برنامج “يلا ندبك” مجرد مسابقة رقص، بل كان بمثابة احتفال بالهوية اللبنانية وتنوعها الثقافي. جمع البرنامج فرقًا من مختلف المناطق اللبنانية، وعرض مهاراتهم وتقاليدهم الخاصة في فن الدبكة. وقد ساهم هذا التنوع في جذب جمهور أوسع، وجعل البرنامج أكثر تمثيلًا للمجتمع اللبناني.
تأتي أهمية البرنامج في توقيت صعب يمر به لبنان، حيث يسعى اللبنانيون إلى التمسك بتراثهم وهويتهم في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. البرنامج لم يقتصر على عرض الرقصات، بل تضمن أيضًا تقارير مصورة عن تاريخ الدبكة وروادها، مما أضاف قيمة ثقافية ومعرفية إلى المحتوى.
تحديات الإنتاج ونجاح الرهان
أشار مخرج البرنامج، كميل طانيوس، إلى أن إيجاد أغنيات فولكلورية مناسبة لإيقاع الدبكة كان أحد التحديات الرئيسية التي واجهت فريق الإنتاج. لذلك، تم اللجوء إلى إعادة توزيع أعمال لفنانين كبار مثل صباح وفيروز ووديع الصافي، بالإضافة إلى استخدام أغنيات لفنانين معاصرين مثل فارس كرم.
وأضاف طانيوس أن رئيس مجلس إدارة “إم تي في”، ميشال المر، كان من أوائل المتحمسين للفكرة، وأصر على تنفيذها رغم الانتقادات المسبقة التي توقعت فشلها. هذا الدعم والتشجيع من الإدارة العليا كان له دور كبير في نجاح البرنامج.
بالإضافة إلى ذلك، أكد طانيوس على أهمية العمل الجماعي والتكامل بين جميع أفراد فريق الإنتاج، بدءًا من المنتجة ناي نفاع ومدير البرامج كريستيان الجميل، وصولًا إلى جميع العاملين خلف الكواليس. هذا التعاون والتنسيق بين جميع الأطراف ساهم في تقديم برنامج متوازن ودقيق.
تفاعل الجمهور وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي
لم يقتصر نجاح “يلا ندبك” على الشاشة الصغيرة، بل امتد أيضًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت مقاطع البرنامج بكثافة وتفاعل معها الجمهور بشكل كبير. هذا التفاعل ساهم في زيادة شعبية البرنامج وتوسيع قاعدة جمهوره.
وقد عبر الجمهور عن إعجابه بفكرة البرنامج وتنفيذه، وأشادوا بالجهود المبذولة لإبراز التراث اللبناني. كما قدم الجمهور العديد من الاقتراحات والأفكار الجديدة لتطوير البرنامج في المستقبل. هذا التفاعل العفوي يؤكد على نجاح الفكرة والبرنامج.
يشير مراقبون إلى أن نجاح “يلا ندبك” قد يشكل نقطة تحول في صناعة التلفزيون اللبنانية، ويدفع المحطات الأخرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الإنتاجية والتركيز على المحتوى المحلي الذي يعكس الهوية والثقافة اللبنانية. كما قد يشجع هذا النجاح على ظهور المزيد من البرامج الترفيهية والثقافية التي تحتفي بالتراث اللبناني.
من المتوقع أن ينتهي عرض البرنامج قبل شهر رمضان 2026. في الوقت الحالي، لا توجد معلومات مؤكدة حول ما إذا كان سيتم تجديد البرنامج لموسم آخر، ولكن بالنظر إلى النجاح الذي حققه، فإن هذا الاحتمال وارد جدًا. يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا المستوى من الجودة والإبداع في المستقبل، وتلبية توقعات الجمهور المتزايدة.
الوضع الاقتصادي في لبنان لا يزال هشًا، مما يثير تساؤلات حول قدرة المحطات التلفزيونية على الاستمرار في إنتاج برامج عالية الجودة. ومع ذلك، فإن نجاح “يلا ندبك” يبعث على الأمل في أن التلفزيون اللبناني لا يزال قادرًا على المنافسة والابتكار، وأن التراث اللبناني يمكن أن يكون مصدر إلهام للعديد من الأعمال الفنية والإبداعية.
