في صحاري حائل شمال المملكة العربية السعودية، شهدت زراعة البطاطس تحولاً ملحوظاً من تحدٍ تواجهه البيئة الجافة إلى فرصة واعدة للتصدير وتعزيز الأمن الغذائي. هذا التحول، المدفوع بالابتكار في تقنيات الري والاستدامة الزراعية، يضع المملكة على خريطة المنتجين والمصدرين الرئيسيين للبطاطس والمنتجات المصنعة منها، مساهماً في تحقيق أهداف رؤية 2030.
هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تعاون بين القطاع الخاص، ممثلاً بشركات مثل بيبسيكو، والقطاع العام، من خلال دعم وزارة البيئة والمياه والزراعة وتوجيهها. وقد أثمر هذا التعاون عن تطوير نماذج زراعية مستدامة تتغلب على تحديات المياه والطاقة، وتحقق إنتاجية عالية الجودة.
تحديات وفرص زراعة البطاطس في السعودية
لطالما شكلت زراعة البطاطس تحدياً في البيئة الصحراوية للمملكة، خاصةً فيما يتعلق بتوفر المياه. ومع ذلك، فإن التربة الرملية في مناطق مثل حائل، على الرغم من قساوتها الظاهرية، توفر خصائص فريدة لنمو البطاطس، حيث تسمح بتشكل ثمار متناسقة وخالية من العيوب، وهو ما يفضله المصنعون والمستهلكون على حد سواء.
وللتغلب على نقص المياه، اعتمد المزارعون السعوديون بشكل متزايد على أنظمة الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط، والتي تقلل بشكل كبير من استهلاك المياه مقارنة بالطرق التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل هذه الأنظمة في خفض التكاليف التشغيلية وتقليل البصمة الكربونية للزراعة.
الابتكار في تقنيات الري
وبحسب تصريحات سابقة لوزير الصناعة بندر الخريف، فقد طورت المملكة نموذج ري خاص بمحصول البطاطس، يلبي احتياجات صناعة رقائق البطاطس والتصدير. هذا النموذج، الذي تم اعتماده من قبل وزارة الزراعة، ساهم في حل مشكلة التصدير التي كانت تواجه شركة بيبسيكو، بسبب مخاوفها بشأن استدامة الموارد المائية.
وتشير بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى أن إنتاج البطاطس في المملكة شهد ارتفاعاً قياسياً في عام 2023، حيث تجاوز 621.75 ألف طن، بزيادة قدرها 47% مقارنة بالعام السابق. كما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من البطاطس 86.8%، مما يعكس التقدم الكبير الذي أحرزته المملكة في هذا المجال.
توسيع نطاق التصدير وتعزيز الاستدامة
لم يقتصر تأثير هذا التحول على تلبية الطلب المحلي، بل امتد ليشمل الأسواق الخارجية. فقد صدّرت الشركات السعودية البطاطس إلى عدة دول، بما في ذلك روسيا والنرويج ولبنان وسوريا والأردن. ومع ذلك، لا تزال بعض الأسواق الأوروبية تمثل تحدياً، بسبب غياب البروتوكولات التجارية المناسبة.
وتعمل الشركات السعودية على تعزيز الاستدامة في زراعة البطاطس من خلال الاستثمار في البحث والتطوير. على سبيل المثال، أعلنت شركة بيبسيكو عن استثمار 300 مليون ريال في شراء خطوط إنتاج جديدة وتأسيس مركز بحث وتطوير في المملكة، بهدف توطين التقنيات وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
الزراعة المستدامة ليست مجرد هدف اقتصادي، بل هي ضرورة بيئية. فالمملكة العربية السعودية تواجه تحديات كبيرة في مجال المياه، حيث أن مخزونها من المياه الجوفية غير المتجددة محدود. لذلك، فإن تبني ممارسات زراعية مستدامة، مثل الري بالتنقيط واستخدام الطاقة الشمسية، أمر بالغ الأهمية للحفاظ على هذا المورد الحيوي.
مستقبل زراعة البطاطس في السعودية
من المتوقع أن تشهد زراعة البطاطس في السعودية المزيد من التطورات في السنوات القادمة، مع التركيز على زيادة الإنتاجية وتحسين الجودة وتعزيز الاستدامة. وتشمل الخطط المستقبلية توسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة في الزراعة، وتطوير أصناف جديدة من البطاطس تتحمل الظروف البيئية القاسية، وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى الحكومة السعودية إلى تسهيل عملية التصدير من خلال إبرام اتفاقيات تجارية جديدة مع الدول المستهدفة، وتوفير الدعم اللوجستي للمصدرين. ومن المتوقع أن تساهم هذه الجهود في زيادة حجم صادرات البطاطس السعودية، وتعزيز مكانتها في الأسواق العالمية.
وفي الختام، يمثل النجاح الذي حققته المملكة في زراعة البطاطس نموذجاً رائداً للتنمية الزراعية المستدامة. ومع استمرار الاستثمار في الابتكار والتقنيات الحديثة، من المتوقع أن تلعب السعودية دوراً متزايد الأهمية في تلبية الطلب العالمي على البطاطس والمنتجات المصنعة منها، مع الحفاظ على مواردها الطبيعية للأجيال القادمة. سيراقب المراقبون عن كثب التقدم المحرز في تطوير بروتوكولات تجارية جديدة مع الدول الأوروبية بحلول الربع الثالث من عام 2025.
