أكد متخصصون في الصحة النفسية والاجتماعية والتعليم أن طلاق الوالدين يمثل تحديًا كبيرًا للأطفال، ويمكن أن يؤدي إلى آثار عميقة على صحتهم العاطفية ونموهم. وتشير الدراسات إلى أن الأبناء الذين يمرون بتجربة انفصال الوالدين يحتاجون إلى دعم خاص لضمان سلامتهم النفسية وتكيفهم السليم مع الوضع الجديد، وتجنب المشكلات السلوكية والعاطفية التي قد تطرأ نتيجة لذلك.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل ارتفاع معدلات الطلاق في بعض الإمارات، حيث سجلت المحاكم الاتحادية في الشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة أكثر من 3000 حالة طلاق خلال الفترة من عام 2020 وحتى نهاية عام 2024، وفقًا لبيانات نظام الزواج الإلكتروني لوزارة العدل. ويؤكد الخبراء أن التعامل الحذر والواعي مع هذه الحالات، وتقديم الدعم اللازم للأطفال، أمر بالغ الأهمية لحماية مستقبلهم.
تأثيرات الطلاق على الأطفال وأهمية الدعم النفسي
يشير الخبراء إلى أن الأطفال يتفاعلون بشكل مختلف مع تجربة الطلاق، لكنهم جميعًا يمرون بمجموعة من المشاعر المعقدة، بما في ذلك الحزن والغضب والخوف والشعور بالذنب والارتباك. وقد تظهر هذه المشاعر على هيئة سلوكيات متغيرة، مثل صعوبة التركيز في الدراسة، أو الانسحاب الاجتماعي، أو العدوانية، أو اضطرابات النوم والأكل.
وتشير الدراسات إلى أن الصدمات المبكرة، مثل طلاق الوالدين، يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد على الصحة النفسية والجسدية للطفل. فقد يشعر الطفل بعدم الأمان وفقدان الاستقرار، ويعتقد أنه مسؤول عن انفصال والديه، مما قد يؤدي إلى تدني تقدير الذات والاكتئاب والقلق. بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه الطفل صعوبات في بناء علاقات صحية في المستقبل، بسبب الخوف من الفشل أو الهجر.
أشكال الدعم الأساسية التي يحتاجها الأطفال
يؤكد المتخصصون على أهمية توفير ستة أشكال أساسية من الدعم للأطفال خلال فترة الطلاق وما بعدها. أولاً، الحفاظ على نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان، من خلال الالتزام بالروتين اليومي والأنشطة المدرسية والاجتماعية. ثانيًا، تشجيع التواصل المفتوح والصادق مع الطفل، والاستماع إلى مشاعره دون إصدار أحكام أو تقليل من أهميتها.
ثالثًا، طمأنة الطفل بأن والديه ما زالا يحبانه ويهتمان به، وأن الانفصال ليس خطأه. رابعًا، الانتباه إلى أي تغييرات في سلوك الطفل، وتقديم المساعدة والدعم اللازمين. خامسًا، إبقاء الطفل بعيدًا عن أي نزاعات أو خلافات بين الوالدين، وعدم استخدامه كوسيلة للضغط أو الانتقام. وأخيرًا، طلب الدعم من المتخصصين، مثل الأخصائيين النفسيين أو المستشارين الأسريين، إذا لزم الأمر.
التحديات التعليمية والاجتماعية للأطفال بعد الطلاق
بالإضافة إلى التحديات النفسية، يواجه الأطفال الذين يمرون بتجربة الطلاق تحديات تعليمية واجتماعية كبيرة. فقد يعانون من تشتت الانتباه وصعوبة التركيز في الدراسة، مما يؤدي إلى تراجع في التحصيل الدراسي. كما قد يواجهون صعوبات في التأقلم مع البيئة المدرسية الجديدة، والشعور بالاختلاف عن أقرانهم.
وتشير الدكتورة فاطمة المراشدة، خبيرة القيادة التربوية، إلى أن الطلاق يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات سلبية في المدرسة، مثل العدوانية والتنمر والتمرد على القوانين. لذلك، من المهم أن يتعاون الوالدان مع المدرسة لتقديم الدعم اللازم للطفل، ومتابعة حالته عن كثب. كما يجب تشجيع الطفل على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والفنية والرياضية، لتعزيز ثقته بنفسه وتوسيع دائرة علاقاته.
مخاطر سلوكية محتملة وتأثيرها على المدى الطويل
تحذر هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة من أن الأطفال الذين يعانون من آثار الطلاق قد يكونون أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات محفوفة بالمخاطر، مثل تعاطي المخدرات أو الكحول، أو الانخراط في علاقات غير صحية. ويرجع ذلك إلى شعورهم بالفراغ العاطفي وعدم الأمان، ورغبتهم في الهروب من الألم والمعاناة.
وتؤكد الدكتورة شمسة المرزوقي، أخصائية نفسية إكلينيكية، على أهمية توفير بيئة آمنة وداعمة للطفل، وتعزيز شعوره بالانتماء والتقدير. كما يجب على الوالدين الحفاظ على صورة إيجابية لبعضهما البعض أمام الطفل، وتجنب أي انتقادات أو تعليقات سلبية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الوالدين الاستمرار في التواصل مع الطفل، وتقديم الدعم العاطفي والمادي اللازمين.
وفي الختام، يظل مستقبل الأطفال المتضررين من الطلاق رهنًا بمدى وعي الوالدين بأهمية تقديم الدعم اللازم لهم، وتعاونهم مع المتخصصين لضمان سلامتهم النفسية وتكيفهم السليم مع الوضع الجديد. ومن المتوقع أن تواصل وزارة العدل وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة جهودهما لتقديم الدعم والمساعدة للأسر المتضررة من الطلاق، وتطوير برامج توعية تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية حقوق الأطفال في هذه الحالات. وستظهر نتائج هذه الجهود في تقارير مستقبلية حول معدلات الطلاق وتأثيرها على الأطفال.
