أكد رئيس مدغشقر، مايكل راندريانيرينا، أن بلاده تعتبر المملكة العربية السعودية شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في خططها الطموحة لإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة. جاء ذلك خلال حوار خاص مع “الشرق الأوسط” كشف فيه عن خطة اقتصادية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تهدف إلى استعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي، وتحفيز القطاعات الاقتصادية الحيوية، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع التركيز بشكل خاص على التعاون في مجال التعدين والموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن النادرة. وتأتي هذه الخطة في وقت تواجه فيه مدغشقر تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
وأوضح الرئيس راندريانيرينا أن مدغشقر تمتلك إمكانات هائلة في قطاعات الطاقة والزراعة والتعدين والسياحة، بالإضافة إلى ثروتها البشرية الشابة. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب ترسيخ الاستقرار المؤسسي، وبناء شراكات متوازنة مع دول مثل السعودية، لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يعود بالنفع على الشعب والشباب.
خطة النهوض بمدغشقر: رؤية ثلاثية المحاور
تستند خطة الرئيس راندريانيرينا إلى ثلاثة محاور رئيسية متكاملة، تهدف إلى تحقيق تحول شامل في مدغشقر. المحور الأول يركز على استعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي من خلال وضع “خريطة طريق انتقالية واضحة” وتشكيل هيئة تنفيذية للإشراف على المشاريع ومراجعتها، بالإضافة إلى لجنة داعمة لضمان انتقال سلس وشفاف للسلطة.
الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية
أما المحور الثاني، فيستهدف الاستثمار المكثف في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، مثل الطاقة والموانئ والتحول الرقمي والصحة والتعدين. ويهدف هذا المحور إلى إزالة العقبات الرئيسية التي تعيق النمو الاقتصادي، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز القدرة التنافسية لمدغشقر في الأسواق الإقليمية والدولية. وسيتم تنفيذ هذه المشاريع بالشراكة مع السعودية وشركاء دوليين آخرين.
تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار
ويركز المحور الثالث على تهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة. كما تسعى مدغشقر إلى الاستفادة من الأطر الإقليمية مثل “اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)” و”الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC)” لفتح أسواق جديدة لمنتجاتها وزيادة حجم التجارة البينية الأفريقية.
الشراكة السعودية-المدغشقرية: محاور التعاون الرئيسية
أكد الرئيس راندريانيرينا على أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين السعودية ومدغشقر، مشيرًا إلى أن بلاده تسعى إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. واقترح إنشاء هيئة استثمارية مشتركة بين البلدين، تحت مسمى “OIMS”، لتنسيق وتمويل المشاريع في مختلف القطاعات.
وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، ذكر الرئيس أن مدغشقر تخطط لإنشاء مصفاة نفط وطنية، وتوريد الوقود مباشرة من السعودية. كما أشار إلى وجود فرص واعدة للاستثمار المشترك في تطوير موارد النفط الثقيل في غرب مدغشقر. بالإضافة إلى ذلك، تسعى مدغشقر إلى تحديث وتوسيع مينائي توليارا وماهاغانغا، لتعزيز مكانتها كمركز لوجستي إقليمي في المحيط الهندي.
وفي مجال التحول الرقمي، أعرب الرئيس عن رغبته في الاستفادة من التجربة السعودية الرائدة في هذا المجال، لإطلاق منصة رقمية وطنية آمنة للإدارة العامة والأمن. كما أكد على أهمية التعاون في قطاع التعدين والموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن النادرة، لتحسين التقييم وضمان تتبع هذه الموارد بطريقة شفافة ومفيدة للطرفين. ولا يغفل التعاون الصحي، حيث طرح الرئيس فكرة إنشاء مجمع صحي ملكي في أنتاناناريفو، يتبعه توسع تدريجي للمرافق الصحية في المحافظات الأخرى.
من الجانب السعودي، لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي على تفاصيل الخطة، ولكن مصادر مطلعة أشارت إلى أن المملكة تولي اهتمامًا كبيرًا بفرص الاستثمار في مدغشقر، وتدرس بعناية المقترحات التي قدمها الرئيس راندريانيرينا. وتعتبر مدغشقر سوقًا واعدة للاستثمارات السعودية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية المتنوعة.
تحديات تواجه مدغشقر ومستقبل التعاون
أقر الرئيس راندريانيرينا بوجود ثلاثة تحديات رئيسية تواجه بلاده: الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ونقص البنية التحتية، وضعف المؤسسات. وأكد أن التصدي لهذه التحديات يتطلب جهودًا متضافرة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بالإضافة إلى دعم الأصدقاء والشركاء الدوليين.
ومن المتوقع أن يقوم الرئيس راندريانيرينا بزيارة رسمية إلى الرياض في المستقبل القريب، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. وستشكل هذه الزيارة فرصة مهمة للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومناقشة الرؤية المشتركة لتنمية مدغشقر وتحقيق الازدهار لشعبها. وتعتبر هذه الزيارة خطوة حاسمة في مسار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ومن المتوقع أن تسفر عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مختلف القطاعات.
وفي الختام، يمكن القول إن خطة الرئيس راندريانيرينا الطموحة تمثل فرصة تاريخية لمدغشقر لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي. ومع الدعم والتعاون من الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، يمكن لمدغشقر أن تتغلب على التحديات التي تواجهها، وأن تصبح قوة اقتصادية واعدة في القارة الأفريقية.
