مع نهاية عام 2025، يتضح أن التنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين قد تجاوز الخلافات التجارية التقليدية ليصبح صراعاً استراتيجياً طويل الأمد على مستقبل النظام الاقتصادي العالمي. شهد هذا العام تصعيداً محسوباً في الإجراءات المتبادلة، مع تركيز متزايد على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مما يعكس تحولاً عميقاً في العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. تُظهر التحليلات أن الحرب التجارية باتت الآن جزءاً من سباق أوسع نطاقاً للهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية.

حافظ كلا البلدين على نهج حذر طوال العام، وتجنبا المواجهة المباشرة الشاملة، إدراكاً منهما للعواقب الوخيمة التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي في حالة الانفصال الكامل. ومع ذلك، لم يمنع هذا الحذر من تبادل العقوبات والقيود، مما أدى إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية. تُشير التقديرات إلى أن هذه التوترات قد تستمر في التأثير على النمو الاقتصادي العالمي في السنوات القادمة.

الحرب التجارية بين أمريكا والصين: مسار استراتيجي طويل الأمد

بدأت جذور هذا الصراع في عام 2018، لكن عام 2025 شهد تحولاً نوعياً، حيث أصبحت الحرب التجارية مجرد واجهة لتنافس استراتيجي أعمق. تتمثل إحدى القضايا الرئيسية في قلق الولايات المتحدة بشأن خطط الصين لتوطين الصناعات المتقدمة، كما هو موضح في مبادرة “صنع في الصين 2025″، والتي تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات التكنولوجية الرئيسية.

أدت جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا إلى تفاقم هذه المخاوف، حيث سلطت الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على الصين في سلاسل الإمداد العالمية. نتيجة لذلك، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تبني سياسات “إزالة المخاطر” بدلاً من “فك الارتباط” الكامل، بهدف تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين.

علم صيني بجوار علامة «صنع في الصين» على لوحة دوائر وقد استهدفها ترمب بعقوبات تجارية (رويترز)

تداخلت الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة خلال عام 2025، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية. أصبح التشدد تجاه الصين موقفاً شائعاً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، واستُخدمت أدوات التجارة والتكنولوجيا لإرسال رسائل مزدوجة: كبح الطموحات الصينية من جهة، وطمأنة الناخبين الأميركيين وحماية الوظائف من جهة أخرى.

حصيلة عام من العقوبات والقيود المتبادلة

شهد عام 2025 تصعيداً في العقوبات والقيود المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين. وسعت الولايات المتحدة قيودها على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق الدقيقة المتطورة، خاصة تلك المستخدمة في الحوسبة الفائقة والتطبيقات العسكرية، وأضافت عشرات الكيانات الصينية إلى القوائم السوداء.

ردت الصين من خلال تعزيز الدعم الحكومي للشركات الوطنية في القطاعات الاستراتيجية، مثل الرقائق والبطاريات والسيارات الكهربائية والطائرات التجارية. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت الصين المعادن النادرة كورقة ضغط، وفرضت قيوداً على تصدير بعض المواد الأساسية لصناعة الشرائح الإلكترونية.

ترمب يستعرض الرسوم المفروضة على الصين ودول أخرى في البيت الأبيض 2 أبريل 2025 (رويترز)

أدت هذه الإجراءات إلى تعميق حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، ودفع الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية والإنتاجية. كما ساهمت في ارتفاع تكاليف الإنتاج في قطاعات الإلكترونيات والسيارات، مما أثر على أسعار المستهلكين في العديد من الاقتصادات الكبرى.

إعادة رسم سلاسل التوريد العالمية

أظهر عام 2025 أن سلاسل التوريد العالمية لم تنهار، لكنها خضعت لإعادة تموضع واسعة. استفادت دول آسيوية وأميركية لاتينية من هذا التحول، حيث انتقل جزء من خطوط الإنتاج إليها. برزت الهند وفيتنام وماليزيا والمكسيك كوجهات بديلة ضمن استراتيجية “تنويع مصادر التصنيع”.

ومع ذلك، حافظت الصين على مكانتها كمركز صناعي رئيسي، ولم تشهد تراجعاً حاداً في دورها. على الرغم من المخاوف، لم يشهد الاقتصاد العالمي صدمة كبرى خلال عام 2025، لكن الضغوط التراكمية كانت واضحة. شهد العام أيضاً تراجعاً في الاستثمارات الغربية المباشرة في الصين، بينما زادت الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

تشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الصراع قد يقلل من النمو العالمي بنسبة تتراوح بين 0.3 و 0.5 في المائة على المدى المتوسط. التجارة الدولية أصبحت أكثر تعقيداً، وتتطلب من الشركات التكيف مع بيئة جديدة من القيود واللوائح.

برزت المعادن النادرة كأحد أهم ميادين الصراع غير المعلنة، حيث استخدمت الصين هيمنتها على إنتاج هذه المعادن كورقة تفاوضية. في المقابل، كثفت الولايات المتحدة وحلفاؤها جهودهم لتأمين بدائل من خلال الاستثمار في مشروعات الليثيوم والنيكل والكوبالت خارج النفوذ الصيني. سلاسل الإمداد أصبحت أكثر عرضة للمخاطر الجيوسياسية.

تُظهر هذه الصورة الجوية حاويات في ميناء شنغهاي الدولي بالصين (أ.ف.ب)

في الختام، يشير حصاد عام 2025 إلى أن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة ليست مجرد حدث عابر، بل هي مسار طويل لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. من المتوقع أن يستمر التوتر في عام 2026، مع احتمال حدوث مفاوضات محدودة لتخفيف الاحتقان. سيكون من المهم مراقبة تطورات تكنولوجيا الرقائق والمعادن النادرة، فضلاً عن التحالفات الجيوسياسية المتشكلة في آسيا وأميركا اللاتينية.

شاركها.