يشهد قطاع التكنولوجيا العالمي تحولاً جذرياً مدفوعاً باستثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي. لم تعد هذه الاستثمارات مقتصرة على الشركات الناشئة، بل امتدت لتشمل عمالقة التكنولوجيا في سباق محموم للسيطرة على البنية التحتية والريادة في هذا المجال الحيوي. هذه الموجة الاستثمارية غير المسبوقة تعيد تشكيل الصناعة بأكملها، وتدفع بالابتكار بوتيرة متسارعة.
في الأشهر الأخيرة، شهدنا سلسلة من الصفقات الاستراتيجية التي تجاوزت قيمتها مجرد الملايين، لتصل إلى عشرات وحتى مئات المليارات من الدولارات. هذه الصفقات تعكس الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بدءاً من الحوسبة السحابية وصولاً إلى صناعة الرقائق وأشباه الموصلات، وحتى قطاعات الإعلام والترفيه. وتشمل هذه التحالفات بين الشركات الرائدة في تطوير الرقائق، ومقدمي خدمات الحوسبة السحابية، والشركات المتخصصة في النماذج اللغوية.
حمى الذكاء الاصطناعي والاستثمارات القياسية
تتصدر شركة أوبن إيه آي (OpenAI) قائمة الشركات التي تجذب الاستثمارات الضخمة، وذلك بفضل نجاحها في تطوير نماذج لغوية متقدمة مثل ChatGPT. تدرس أمازون حالياً استثمار ما يقرب من 10 مليارات دولار في أوبن إيه آي، وفقاً لمصادر مطلعة، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
بالتوازي مع ذلك، أعلنت ديزني عن استثمار مليار دولار في أوبن إيه آي، بهدف الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى جديد، بما في ذلك استخدام شخصياتها الشهيرة من عالم حرب النجوم وبيكسار ومارفل في مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة قد تحدث ثورة في صناعة المحتوى المرئي.
تحالفات استراتيجية في قطاع الرقائق
لم يقتصر الأمر على الاستثمارات في أوبن إيه آي، بل امتد ليشمل تحالفات استراتيجية في قطاع الرقائق. فقد دخلت أوبن إيه آي في شراكة مع برودكوم لإنتاج معالجات ذكاء اصطناعي مخصصة، في حين وافقت إيه إم دي (AMD) على تزويدها برقائق متطورة.
تستعد إنفيديا (Nvidia) بدورها لاستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في أوبن إيه آي، بالإضافة إلى تزويدها برقائق مراكز البيانات. هذه الصفقة تعكس الدور المحوري الذي تلعبه إنفيديا في مجال الذكاء الاصطناعي، وتمنحها حصة مالية في الشركة الناشئة الواعدة. كما أبرمت أوراكل (Oracle) صفقة حوسبة سحابية ضخمة مع أوبن إيه آي، تقدر قيمتها بحوالي 300 مليار دولار على مدى خمس سنوات.
بالإضافة إلى ذلك، وقّعت كور ويف (CoreWeave) عقوداً مع أوبن إيه آي بقيمة إجمالية تزيد عن 11.9 مليار دولار، لتوفير قدرات حوسبية متقدمة. ويشكل مشروع مركز البيانات “ستارغيت” (Stargate) مبادرة طموحة بقيمة 500 مليار دولار، يشارك فيها سوفت بنك وأوبن إيه آي وأوراكل، بهدف تطوير البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.
ميتا تتوسع في مجال الذكاء الاصطناعي
لا تتخلف ميتا (Meta) عن الركب، حيث تسعى الشركة إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال سلسلة من الاستثمارات والشراكات. وقّعت كور ويف اتفاقية مع ميتا بقيمة 14 مليار دولار لتزويدها بقدرات حاسوبية، في حين تجري أوراكل محادثات لعقد صفقة حوسبة سحابية متعددة السنوات بقيمة تقارب 20 مليار دولار.
كما أبرمت غوغل (Google) صفقة حوسبة سحابية لمدة ست سنوات مع ميتا بقيمة تزيد عن 10 مليارات دولار. واستحوذت ميتا على 49% من شركة سكيل إيه آي (Scale AI) مقابل حوالي 14.3 مليار دولار، وعينت رئيسها التنفيذي لقيادة استراتيجية الذكاء الاصطناعي للشركة.
صفقات إنفيديا وغوغل
تواصل إنفيديا توسيع نطاق نفوذها من خلال صفقات استراتيجية. وافقت على ترخيص تقنيات الرقائق لشركة غروك (Grok)، واستقطبت كوادر رئيسية من شركة ويندسرف (Windsurf) المتخصصة في توليد أكواد الذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى ذلك، تقود مجموعة استثمارية مدعومة من إنفيديا عملية الاستحواذ على شركة ألايند داتا سنترز (Aligned Data Centers) مقابل 40 مليار دولار.
من جهتها، تستثمر غوغل 40 مليار دولار في ثلاثة مراكز بيانات جديدة في تكساس حتى عام 2027، في إطار جهودها لتوسيع شبكتها العالمية للحوسبة السحابية.
تشمل الصفقات الأخرى اتفاقية بين نيبيوس (Nebius) ومايكروسوفت (Microsoft) بقيمة 17.4 مليار دولار لتوفير بنية تحتية لمعالجات الرسوم، وتمويل بقيمة 2 مليار دولار من سوفت بنك لشركة إنتل (Intel). كما أبرمت تسلا (Tesla) صفقة مع سامسونغ إلكترونيكس (Samsung Electronics) بقيمة 16.5 مليار دولار لتوريد رقائق إلكترونية.
من المتوقع أن تستمر وتيرة الاستثمارات والتحالفات في مجال الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة خلال الأشهر والسنوات القادمة. وستركز الشركات على تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحسين أداء الرقائق والنماذج اللغوية. ويجب مراقبة التطورات التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وتأثيرها على هذه الاستثمارات والتحالفات. كما أن مستقبل المنافسة في هذا المجال لا يزال غير واضحاً، وسيتحدد بناءً على قدرة الشركات على الابتكار والتكيف مع التغيرات السريعة.
